هانم داود تكتب لـ(اليوم الثامن):

عائق العفاف حين تغدو المهور قيداً والزواج بعيداً

إنّ الزواج في شريعة السماء ليس عقدًا عابرًا يُبرم على عجل، بل هو ميثاقٌ غليظ، وسكنٌ للنفوس، وسترٌ للمشاعر، وطريقٌ لبناء المجتمع على أسس المودّة والرحمة. هو بداية بيتٍ يطمئنّ فيه القلب، وتستقيم به الحياة، ويُصان به الإنسان من الانزلاق والضياع. غير أنّ هذا المعنى السامي الذي شرّعته الأديان وكرّمته الفطرة، بات اليوم يصطدم بواقعٍ قاسٍ يزداد اتساعًا، عنوانه المغالاة في المهور، والتفاخر بالمظاهر، وتحويل الزواج من باب رحمة إلى ساحة مزايدة، ومن نعمةٍ مُيسّرة إلى عبءٍ ثقيل تتعثر عنده الخطوات منذ البداية.

لم يكن المهر يومًا ثمنًا لعروسٍ تُشترى، ولا رقمًا يُرفع للمباهاة، بل كان رمزًا للتكريم، ودليلًا على الجدية، وإشارة إلى القدرة على الرعاية وتحمل المسؤولية. كانت فلسفته أن يُطمئن أهل الفتاة إلى أن القادم قادر على صون ابنتهم وحفظ كرامتها، لا أن يُستنزف الشاب حتى آخر ما يملك قبل أن يدخل بيته. لكنّ المجتمع، في كثير من البيئات، انحرف عن هذا الجوهر النقي، فأصبحت المهور أرقامًا تُكتب وكأنها صفقات تجارية، وتحولت الشروط إلى عوائق متراكمة لا يكاد العاقل يصدق أنها تُطلب باسم الزواج. صار الشاب يُسأل عن قيمة ما سيدفع أكثر مما يُسأل عن دينه وأمانته وأخلاقه، وكأنّ الحياة الزوجية تُقاس بالمبلغ لا بالمبدأ، وبالذهب لا بالوفاء.

وهكذا يجد الشاب نفسه أمام قائمة طويلة من المتطلبات: مهرٌ مرتفع، ومستلزمات لا تنتهي، وتجهيزات تُفرض كأنها معيار للوجاهة، وحفلٌ يجب أن يكون “حديث الناس”، وصورٌ يجب أن تكون “مبهرة”، ومظاهرُ يجب أن تُثبت أن العائلة “لا تُجارى”. ومع كل هذا، يُصبح الزواج بالنسبة لكثير من الشباب مشروع ديون لا مشروع حياة، وميدان قلق لا ميدان استقرار، وبوابة إرهاق قبل أن تكون بوابة فرح. فيقف العفيف، الذي لا يملك إلا كرامته وسعيه الشريف، على عتبة الانتظار المرّ، يرى الحلال قريبًا في شرع الله، بعيدًا في أعراف الناس.

وحين يواجه الشاب هذه المعادلة المختلة، لا يكون الانسحاب خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة قاسية يفرضها الواقع. فمن أين لابن اليوم أن يجمع تكاليف حفلة لا تتجاوز ساعات، بينما يحتاج سنوات ليؤمن أساسيات عيشه؟ كيف يُطلب منه أن يبدأ حياته الزوجية محملاً بالديون، مستنزفًا ماديًا ونفسيًا، ثم يُلام بعد ذلك إن فشل أو تأخر أو تراجع؟ إن العزوف عن الزواج لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح جرحًا اجتماعيًا عميقًا، وتصدعًا واضحًا في جدار المجتمع، لأن تعطيل الزواج هو تعطيل لتوازن الحياة، وإضعاف لمعنى المسؤولية، وترك للشباب في فراغٍ طويل لا يرحم.

ثم إنّ القضية ليست اقتصادية فقط، بل نفسية وإنسانية أيضًا. فالشاب حين يشعر أنه مرفوض لأنه “لا يملك”، أو حين يُختزل في قدرته على الدفع لا في قدرته على بناء بيت، فإنه يتعرض لخيبة تُثقل روحه، وتخلق داخله شعورًا بالإحباط والمهانة، وربما تتحول مع الوقت إلى غضبٍ صامت تجاه المجتمع كله. والفتاة بدورها ليست رابحة في هذا المشهد كما يتوهم البعض؛ فهي قد تجد نفسها هي الأخرى مؤجلة، محاصرة بالانتظار، لأن المبالغة التي قيل إنها “لحمايتها” تحولت إلى حاجز يمنع عنها الاستقرار. وهكذا يخسر الطرفان: يخسر الشاب زمنه وأمله، وتخسر الفتاة حقها في بيتٍ آمن يليق بإنسانيتها، ويخسر المجتمع استقراره حين تتأخر الأسر، وتزداد حالات الوحدة، ويتضخم الشعور بالعزلة والضياع.

والمنزلق الأخطر في كل ذلك أن تضييق أبواب الحلال يفتح أبواب الحرام من حيث لا يدري الناس. فالنفس البشرية جُبلت على الميل، ولها احتياجات لا تُلغى بالشعارات ولا تُجمّد بالخطب، وإذا انسدت في وجهها السبل النظيفة بفعل التعقيد والمغالاة، فإنها قد تبحث—عند الضعفاء—عن منافذ أخرى أقل تكلفة وأكثر سهولة، وإن كانت أشد فتكًا بالدين والأخلاق والمجتمع. إن المبالغة في المهور ليست مجرد خطأ اجتماعي، بل هي عمليًا تمهيد غير مباشر لنوافذ الفتنة، لأنها تجعل الحلال باهظًا، وتصور الحرام وكأنه الطريق الأسهل، وبذلك يختل ميزان القيم في عقول بعض الناس، فيُستسهل الخطأ وتُستثقل الفضيلة.

ولا يتوقف الضرر عند حدود العلاقات المحرمة، بل يتسلل إلى أعماق المجتمع في صورة تفكك أسري محتمل، وجرائم أخلاقية، وأزمات نفسية، وارتفاع في نسب الانحراف، وتراجع الإحساس بالمسؤولية. إن المجتمع الذي يُثقل الزواج حتى يصبح شبه مستحيل، كأنه يصنع بيديه أزمة أخلاقية ثم يتفاجأ حين تندلع. ومن الظلم أن نُحمّل الشباب وحدهم تبعات الانحراف، بينما نحن من ضيّقنا عليهم منافذ الاستقامة، ورفعنا سقف الزواج حتى صار حلمًا مؤجلًا، أو مشروعًا مرعبًا لا يُقبل عليه إلا من يملك المال لا من يملك النية الطيبة والخلق الحسن.

وليس معنى الدعوة إلى التيسير أن تُهدر كرامة المرأة أو تُنتقص حقوقها، فالتيسير الحقيقي هو احترام المرأة وصونها، وتقديم ضمانات الاستقرار لها ولزوجها معًا، لا إرهاق الطرفين قبل أن تبدأ الحياة. إنّ المرأة تُكرَّم بالعقل الذي يعرف قيمتها، وبالزوج الذي يحفظها، وبالبيت الذي يقوم على المودة والرحمة، لا بكثرة الطلبات التي تُبنى على المقارنة والغيرة من الآخرين. فكم من زواجٍ بدأ ببذخٍ مبهر انتهى سريعًا بضيقٍ وخلافات، وكم من بيتٍ بدأ بقناعة وستر صار عامرًا بالسكينة والرضا. ليست البركة في كثرة المظاهر، بل في صفاء النية وصدق السعي وحسن العشرة.

إن الحل لا يكون بتبادل الاتهامات بين الأجيال، ولا بإلقاء المسؤولية على الشباب وحدهم، بل بثورة وعي يقودها الآباء قبل الأبناء، والأمهات قبل البنات، وشيوخ المجتمع قبل أصغر أفراده. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الفخر: الفخر ليس في مهرٍ مرتفع، بل في زوجٍ صالح، وبيتٍ مستقر، وبنتٍ مصونة، وابنٍ عفيف. نحن بحاجة إلى مراجعة العادات التي تلبس ثوب “الهيبة” وهي في حقيقتها عبءٌ لا طاقة للناس به، وإلى إعادة الاعتبار لمبدأٍ واضح: أن الستر مقدم على الاستعراض، وأن الزواج بناء حياة لا مسابقة وجاهة.

إن مقولة “أقلهن مهراً أكثرهن بركة” ليست كلامًا عاطفيًا جميلًا يقال في المناسبات، بل هي قاعدة اجتماعية عميقة، تعيد الزواج إلى مكانه الطبيعي: بابًا للخير، لا ساحةً للفخر الفارغ. فالبيت الذي يبدأ بالتفاهم والقناعة خيرٌ ألف مرة من قصرٍ يُبنى على الديون، ويختنق تحت ثقل الالتزامات، ثم يتحول مع الأيام إلى ساحة صراع مالي ونفسي لا ينتهي.

فلنحطم قيود المظاهر قبل أن تحطم هي مستقبل أجيالنا، ولنجعل من الزواج طريقًا ميسرًا للعفاف والستر، لا حاجزًا منيعًا يُسقط الشباب في العزلة أو يدفعهم—تحت ضغط الواقع—نحو طرقٍ لا ترضي الله ولا تحفظ المجتمع. إن أمتنا لا تحتاج مزيدًا من التعقيد، بل تحتاج حكمةً تعيد الأشياء إلى أصولها: بساطةٌ تليق بالحلال، ورحمةٌ تليق بالإنسان، ووعيٌ يحفظ للزواج مكانته كأقدس بناء في الحياة.