د. ابتسام الكتبي تكتب:
لماذا نجح النموذج الاماراتي حين تعثر غيره
لم يأتِ نجاح نموذج دولة الإمارات العربية المتحدة من فراغ، ولا يمكن اختزاله في مؤشرات اقتصادية أو مظاهر عمرانية لافتة. ما يميّز التجربة الإماراتية هو أنها قامت منذ بداياتها على فهم مبكر لطبيعة الدولة الحديثة في بيئة إقليمية مضطربة: دولة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تُدار بالشعارات، بل تُصان بالتوازن، والعقلانية، والاستثمار الطويل في الإنسان والاستقرار.
في محيطٍ اعتاد التحرك بمنطق الصراع الصفري، اختارت الإمارات مساراً مختلفاً: بناء الدولة قبل تصدير الأيديولوجيا، وتعزيز الاستقرار قبل المغامرة، وتقديم البراغماتية على الانفعال. هذا الخيار لم يكن سهلاً ولا شعبوياً، لكنه أثبت مع الوقت أنه الأكثر كلفةً على المدى القصير، والأكثر جدوى على المدى الطويل. فالمنطقة مليئة بتجارب رفعت شعارات كبرى، لكنها انهارت عند أول اختبار مؤسسي. أما الإمارات فاشتغلت بصمت، وراكمت القوة بهدوء.
نجاح النموذج الإماراتي يتجلى أولاً في صلابة الدولة. فبينما تفككت دول كثيرة تحت وطأة الهويات الفرعية أو الصراعات الداخلية، نجحت الإمارات في ترسيخ هوية وطنية جامعة لا تُقصي التنوع بل تحتويه. هذا التماسك لم يكن نتيجة خطاب عاطفي، بل ثمرة سياسات متراكمة: عدالة تنموية بين الإمارات، توزيع متوازن للفرص، واستثمار واعٍ في التعليم والبنية التحتية وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وثانياً، في إدارة التنوع بوصفه قوة لا تهديداً. في دولة يعيش على أرضها مئات الجنسيات والثقافات، لم يتحول الاختلاف إلى مصدر قلق أمني أو توتر اجتماعي، بل إلى رافعة اقتصادية ومعرفية. فالتعددية في الإمارات ليست شعاراً أخلاقياً فقط، بل سياسة عامة مُدارة، تحكمها القوانين، وتحميها مؤسسات، وتضبطها رؤية واضحة لمعنى المواطنة والعيش المشترك. من هنا، لم يكن غريباً أن تتحول الدولة إلى مركز جذب عالمي للكفاءات والاستثمارات والعقول.
وثالثاً، في السياسة الخارجية التي رفضت الارتهان لمحور واحد أو خطاب واحد. تعاملت الإمارات مع العالم كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. فتنوّعت شراكاتها، ووسّعت هامش حركتها، وبنت علاقات متوازنة مع القوى الكبرى والناشئة على حد سواء. هذه السياسة لم تكن حياداً سلبياً، بل استقلالية نشطة، جعلت من الدولة فاعلاً قادراً على الوساطة، وبناء الجسور، وتخفيف حدّة الاستقطاب بدلاً من تغذيته.
أما في بُعد القوة الناعمة، فقد أدركت الإمارات مبكراً أن الشرعية الدولية لم تعد تُكتسب فقط عبر المواقف السياسية، بل أيضاً عبر النموذج الداخلي. فالتسامح، والانفتاح الديني، واحترام التعدد الثقافي، لم تُقدَّم كزينة دعائية، بل كجزء من تصور أوسع للأمن والاستقرار. وفي عالم تتصاعد فيه النزاعات الهوياتية، تحوّل هذا الخيار إلى رصيد استراتيجي عزّز صورة الدولة ومصداقيتها.
ما يجعل النموذج الإماراتي لافتاً ليس أنه مثالي أو معزول عن التحديات، بل أنه نموذج واقعي، يعرف حدوده، ويعمل ضمنها بذكاء. لا يدّعي تصدير تجربته قسراً، ولا يسعى لفرض وصاية أخلاقية على الآخرين، لكنه في الوقت نفسه لا يتخلى عن قناعاته الأساسية: أولوية الدولة، مركزية الاستقرار، واحترام التنوع.
في زمن الضجيج الإقليمي، قد يبدو هذا النهج أقل صخباً من خطابات التعبئة، لكنه أثبت أنه أكثر صلابة. فالدول لا تُقاس بحدة مواقفها الآنية، بل بقدرتها على الصمود، والاستمرار، وتحويل التحديات إلى فرص. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن نجاح نموذج دولة الإمارات ليس استثناءً عابراً، بل نتيجة خيار استراتيجي واعٍ: بناء دولة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تصل إليه، دون أن تفقد توازنها أو بوصلتها في طريقٍ إقليمي شديد الاضطراب.


