ولاء العاني تكتب لـ(اليوم الثامن):
حين تنطق الحرية بلسان المرأة الإيرانية
لم تكن المرأة الإيرانية يومًا عنصرًا هامشيًا في لحظات التحوّل الكبرى داخل بلادها. في كل موجة احتجاج، كانت حاضرة في قلب المشهد، لا كصورةٍ رمزية، بل كقوة ضغط اجتماعي وسياسي، دفعت أثمانًا باهظة في مواجهة نظامٍ يراهن على القمع بوصفه وسيلته الأخيرة للبقاء.
وإذا كانت سنوات الحكم الديني قد راكمت أشكالًا متعددة من القيود على المجتمع، فإن النساء كنّ في مقدمة الفئات الأكثر تضررًا من هذا المسار: من التشريعات المُقيدة، إلى أدوات الردع الأمني، وصولًا إلى تحويل الجسد واللباس والحضور العام إلى “ملفّ سياسي” تتحكم به السلطة وتوظفه لإخضاع الناس.
شهدت إيران خلال الأعوام الأخيرة تصاعدًا متكررًا في موجات الغضب الشعبي، وبرزت المرأة في تلك اللحظات بوصفها عنوانًا للمقاومة اليومية قبل أن تكون شعارًا في ساحةٍ عامة. لم يكن ذلك مستجدًا، لكنه هذه المرة اكتسب طابعًا أكثر صراحة، خصوصًا بعد حادثة مهسا أميني، التي تحولت إلى علامة فارقة في ذاكرة الاحتجاج، وإلى نقطة تجمع رمزية للغضب المكبوت داخل مجتمع أنهكته القيود والأزمات.
ما تراكم في الداخل الإيراني لم يعد مرتبطًا بحدثٍ فردي أو مطلبٍ جزئي. فحين تتقاطع المطالب الاقتصادية مع الإقصاء السياسي، وحين يشعر الناس أن مستقبلهم يُدار بمنطق الإكراه لا بمنطق الدولة، يصبح الانفجار مسألة وقت، لا خيارًا قابلًا للتأجيل.
وفي هذا السياق، يصعب فصل حضور المرأة عن طبيعة التحول نفسه: فبلد بحجم إيران، بثقله التاريخي والاجتماعي، لا يمكن أن يعيد صياغة ملامحه السياسية بينما يُقصي نصف المجتمع عن المجال العام. لذلك لم تعد مشاركة النساء مجرد رد فعل، بل تحولت إلى رسالة: أن منطق الصمت انتهى، وأن العلاقة بين المجتمع والسلطة دخلت مرحلة مراجعة قاسية.
ضمن هذه البيئة المشحونة، برزت شخصيات نسوية تصدرت الخطاب السياسي المعارض، من بينها السيدة مريم رجوي، التي مثل حضورها نموذجًا مختلفًا في سياقٍ اعتاد حصر القيادة داخل دائرة ذكورية مغلقة. ويُحسب لهذا النموذج أنه حاول كسر التصورات التقليدية عن دور المرأة، عبر خطاب يرتكز على المساواة ورفض التمييز، ويطرح فكرة المشاركة السياسية بوصفها حقًا لا منّة.
في التجربة الإيرانية تحديدًا، لا تتوقف قيمة القيادة النسوية عند بعدها الرمزي، بل تتصل بجوهر الصراع نفسه: هل تُدار الدولة بمنطق الوصاية أم بمنطق المواطنة؟ وهل يُسمح للنساء بأن يكنّ شريكات في القرار أم مجرد موضوعات للرقابة؟
واللافت أن النساء الإيرانيات لم يعدن يكتفين بموقع “الضحية” في سردية الداخل الإيراني، بل بدأن يرسمن موقعًا جديدًا لأنفسهن: فاعلات في صناعة التاريخ، وفي نقل الاحتجاج من حالة غضب عابر إلى حالة وعيٍ ممتد، يتراكم مع كل جولة صراع، ومع كل لحظة خسارة.
يمكن القول إن دور النساء والفتيات الإيرانيات في الانتفاضات لم يعد هامشيًا ولا تجميليًا، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في ديناميكية التغيير. شجاعتهن ليست لحظة اندفاع عاطفي، بل نتيجة وعيٍ متراكم، وتجربة طويلة مع الإقصاء، وإدراك عميق أن ما يُكتب بالقهر لا يُمحى إلا بالإصرار.
إن صوت المرأة الإيرانية اليوم لا يبدو مجرد صدى للألم، بل إعلانًا واضحًا عن ولادة وعي جديد يرفض المساومة على الحرية والكرامة. صوتٌ يخرج من قلب القمع، لكنه يتقدم بثقة كأنه يعرف أن الطريق مهما طال، لن يعود إلى الوراء.
قد يطول الليل في إيران، لكن المؤكد أن فجرها لن يولد من الصمت. سيولد من هذا الصمود الذي يحوّل الذاكرة إلى قوة، والتضحيات إلى معنى، والمرأة إلى عنوانٍ نهائي للحرية.


