أصيل شوطح يكتب لـ(اليوم الثامن):

حين تكسر الرياض بوصلتها.. عن أوهام السيطرة ومنطق القوة في زمن “الدرون”

في خضم الضجيج المتصاعد من الرياض، ومحاولات إعادة هندسة الإقليم وفق تصورات تُعامل المنطقة كمساحة نفوذ قابلة للضبط والتحريك، يتضح أن الفارق بين “القيادة” و”السيطرة” لم يعد واضحًا لدى بعض صناع القرار. فالقيادة تُكتسب عبر الثقة، وتُمنح بتقدير الشركاء، أما السيطرة فمحاولة فرض قسرية غالبًا ما تنتهي بكلفة سياسية وأمنية تلتهم مكاسبها قبل أن تُثبت أقدامها. وما نشهده اليوم من موجات تعبئة إعلامية واصطفافات مفتعلة ليست تفصيلًا عابرًا، بل عنوانًا لمسار يتسع وينذر بتقويض بنية الثقة الخليجية والعربية التي تأسست على الحد الأدنى من التفاهمات لا على مفهوم “الطاعة” السياسية.

ولأن زمن القوة تغيّر، فإن أدوات فرض الهيمنة القديمة لم تعد تعمل بكفاءة. الحصار لم يعد يُخضع، والابتزاز لا ينتج استقرارًا، والضغط لا يبني شرعية. ومع ذلك، تكرر بعض السياسات نفسها وكأن العالم ما يزال يعيش في عقد سابق، حيث تُقاس القدرة بالمال وحده أو بالثقل الرمزي وحده. وتجربة العقد الأخير في الإقليم ليست بعيدة: من لحظة الصدام مع قطر إلى موجة استهداف الإمارات إعلاميًا وسياسيًا، مرّت المنطقة بتقلبات حادة كشفت هشاشة الرهان على إخضاع الشركاء بالقوة الناعمة أو الخشنة. السؤال الذي يلحّ هنا ليس: من الأقوى؟ بل: من الأذكى في إدارة القوة دون أن تنقلب عليه؟

في المقابل، تبدو الإمارات وهي تتعامل مع هذه البيئة الجديدة بمنطق أكثر هدوءًا وبراغماتية؛ تخفّض الضجيج، وتزيد من خياراتها الاستراتيجية، وتفتح نوافذ اقتصادية وأمنية شرقًا، خصوصًا باتجاه الهند وآسيا، لتأمين مسارات مصالح مستقلة لا تُبنى على المزاج السياسي للآخرين. هذا السلوك لا يعني انسحابًا من الإقليم بقدر ما يعكس إعادة تموضع محسوبة: تقليل الاعتماد على مزاج التحالفات المتوترة، ورفع كلفة الضغط عليها عبر تنويع الشركاء والأسواق. في المقابل، يُغرق الخطاب الإعلامي السعودية في خصومات متتابعة تجعل من الضرر طويل الأمد أكبر من المكاسب العاجلة، وتترك ندوبًا في صورة “الشقيقة الكبرى” يصعب ترميمها لاحقًا.

وحين نضع اليمن في قلب المشهد، تتضح أبعاد سوء التقدير بصورة أكثر قسوة. اليمن لم يكن فقط ساحة حرب، بل مختبرًا سياسيًا كشف أن الحسابات المبنية على القوة وحدها غالبًا ما تنتج نتائج عكسية. فالجرح الإنساني العميق، واتساع رقعة الفشل الإداري والاقتصادي، وتحوّل الملف إلى مساحة استنزاف متعددة الطبقات، جعل من الصعب تسويق أي خطاب يتحدث عن “حسم” أو “استقرار” دون مراجعة صريحة لما تحقق فعلاً. بل إن كثيرًا من نتائج الحرب جاءت بعكس الأهداف المعلنة: قوى صعدت، وسرديات تمددت، ومناطق تحولت إلى مساحات غضب لا تراجع فيها إلا بثمن سياسي فادح.

والأكثر إرباكًا أن الشمال، ممثلًا بسلطة الحوثيين، نجح في استثمار لحظته التاريخية بذكاء سياسي لا يمكن تجاهله. فبمنطق القوة والقدرة على الإزعاج، استطاع أن يفرض نفسه داخل معادلة الإقليم، وأن يرفع رصيده في قطاعات من الشارع العربي والإسلامي، ليس عبر نموذج حكم ناجح أو تنمية أو استقرار، بل عبر امتلاك أدوات ردع وتهديد. في زمن “الدرون” والصواريخ، يتحول اللاعب المحلي المحاصر إلى فاعل إقليمي بمجرد امتلاكه القدرة على تعطيل الملاحة أو ضرب المصالح، فتُفتح له أبواب التفاوض ويُعامل كرقم صعب في المعادلة. هذه ليست فضيلة أخلاقية بقدر ما هي قاعدة واقعية قاسية: العالم لا يفاوض “الحق” وحده، بل يفاوض “القوة” التي تفرض نفسها.

لكن المفارقة التي ينبغي وضعها تحت الضوء أن القوة الحوثية على الأرض لم تُكسر في الميدان إلا في مواجهتها مع الجنوب. الجنوب هو الذي واجه الغزو، ودفع فاتورة الدم، وصدّ الهجمات المباشرة، وحطّم جزءًا كبيرًا من الصورة التي حاول الحوثي تكريسها عن “مقاتل لا يُقهر”. هذه حقيقة ميدانية يعرفها الخصوم قبل الحلفاء. ومع ذلك، يظهر في بعض السياسات وكأن الجنوب يُعامل لا كشريك حاسم صنع فارقًا، بل كملف قابل للتطويع والإدارة من الخارج. وهنا تكمن المعضلة: استعداء الجنوب أو الضغط عليه ليس مجرد خطأ أخلاقي أو سياسي، بل مقامرة استراتيجية تضعف قدرة التحالف نفسه على منع تمدد خصومه.

المنطق يقول إن من يمتلك الأرض والرجال والقدرة على السيطرة على مفاصل حساسة مثل باب المندب، لا يمكن التعامل معه كأداة تُستخدم عند الحاجة ثم تُدفع إلى هامش القرار. الجنوب يمتلك عناصر قوة حقيقية، لكنه يواجه تحديًا في تحويل هذه العناصر إلى أوراق تفاوض صلبة تُجبر الآخرين على التعامل معه بندّية واحترام. وهذا هو الفارق بين من يربح المعركة ويخسر السياسة، وبين من يحسن بناء مكاسبه داخل طاولة المصالح.

من هذه الزاوية، تبدو النصيحة الموجهة إلى القيادة الجنوبية، وعلى رأسها عيدروس الزبيدي، ضرورة سياسية لا مجرد خطاب تحفيزي. السياسة ليست ساحة للنيات الطيبة وحدها، بل للقدرة على حماية المكاسب وتحويل التضحيات إلى نفوذ معترف به. الصدق فضيلة، لكن الصدق دون أدوات حماية في عالم المصالح قد يتحول إلى عبء. التحالفات لا تُدار بالأمنيات، بل بتوازن القوة. ومن لا يبني لنفسه أدوات ردع وضمانات سياسية واقتصادية، سيجد نفسه في لحظة ما خارج المشهد، أو داخل مشهد تُدار قراراته من الآخرين.

تجربة الإقليم مليئة بالأمثلة: أوراق كبرى كانت تبدو حاسمة ثم تراجعت قيمتها عند لحظة الصفقة. العالم لا يترك مساحة للضعفاء حتى لو كانوا على حق. من يملك القدرة على إزعاج الآخرين يحصل على مقعد، ومن يكتفي بحسن النية يُترك للمفاجآت. ولهذا، فإن بناء مخالب حقيقية للجنوب لا يعني الذهاب إلى التصعيد العبثي، بل إلى امتلاك عناصر الردع: اقتصاد قادر على الصمود، أمن قادر على حفظ الاستقرار، ومنظومة علاقات خارجية لا تُختصر في بوابة واحدة.

والأخطر أن تفكك الثقة بين الرياض وأبوظبي، أو أي تصدّع في جبهة الخليج، لا يعمل لصالح طرف عربي بقدر ما يخدم أطرافًا دولية ترى في الانقسام ضمانة لعدم نشوء قطب إقليمي مستقل. ليس سرًا أن تفتيت المواقف العربية يسهّل إدارة المنطقة ويجعلها قابلة لإعادة التشكيل وفق مصالح القوى الكبرى. لذلك، فإن تحويل الشركاء إلى خصوم عبر حملات شيطنة متبادلة يفتح الباب لفراغات استراتيجية تملؤها القوى الخارجية سريعًا، وبأقل تكلفة.

على السعودية، إن كانت تبحث عن زعامة حقيقية، أن تدرك أن الزعامة لا تُبنى فوق ركام الثقة. الرؤية الاقتصادية الطموحة لا تستطيع أن تزدهر في محيط من الأزمات والخصومات المفتوحة. الاستقرار لا يُشترى بالمال وحده، ولا يُفرض بالضغط وحده. وفي زمن الدرون، لم يعد من الحكمة استدعاء أدوات التحكم القديمة لأنها ببساطة تنتج خصومًا أكثر مما تصنع حلفاء.

الخلاصة أن اللعبة أكبر من الجميع. منطق القوة هو لغة هذا العصر، لكن القوة لا تُختزل في السلاح، بل في القدرة على إدارة العلاقات، واحتواء التناقضات، وبناء شرعية تقوم على الشراكة لا الاستتباع. الشمال فرض نفسه حين امتلك أدوات التهديد، والجنوب صنع فارقًا حين امتلك الرجال والأرض، لكن اللحظة السياسية تتطلب أكثر من ذلك: تتطلب تحصين المكتسبات بمؤسسات وأوراق ردع واضحة. لأن “الحق الأعزل” قد يكون نبيلاً، لكنه نادرًا ما ينجو في خرائط الذئاب.