أماني الهلالي يكتب لـ(اليوم الثامن):

لماذا لا تنجح سياسة الاحتواء في الجنوب؟

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تختبئ السياسة خلف الأقنعة طويلًا. ما يجري اليوم في الجنوب ليس ضجيجًا عابرًا ولا موجة إعلامية موسمية، بل اختبارًا صريحًا لإرادة شعب تشكّلت وعيًا وخبرةً عبر عقود من الصراع والخذلان والتضحيات. وحين تتصاعد محاولات التأثير والضغط، يصبح السؤال الجوهري: هل ما زال الجنوب يُدار بوصفه ملفًا، أم بات شريكًا يُحسَب له الحساب؟

من الواضح أن المقاربة السائدة التي تراهن على حملات التشويه أو إعادة تدوير الوصاية السياسية لم تعد تقرأ الواقع كما هو. الجنوب اليوم ليس جنوب الأمس. المزاج الشعبي تغيّر، واللغة السياسية تطوّرت، والأهم أن كلفة التجربة جعلت المجتمع الجنوبي أكثر حساسية تجاه أي محاولة لفرض حلول من خارج إرادته. حين تُستبدل لغة السياسة بلغة الضغط، تُغلق النوافذ التي كان يمكن أن تُفتح بالحوار.

اللافت أن حملات التشويه، مهما بدت صاخبة، تكشف أكثر مما تُخفي. فهي اعتراف ضمني بأن أدوات الاحتواء التقليدية لم تعد فعّالة، وبأن الرهان على إنهاك الإرادة الشعبية رهان خاسر. التاريخ القريب يقدّم درسًا بسيطًا: الشعوب التي دفعت ثمن الحرية لا تعود بسهولة إلى مربعات الوصاية، حتى لو تغيّرت العناوين وتبدّلت الشعارات.

في العمق، لا يدور الصراع حول أسماء أو مواقع، بل حول تعريف الشراكة نفسها. الجنوب يميّز جيدًا بين شراكة تقوم على الندية وتبادل المصالح، وبين وصاية تُغلّف بعبارات الدعم والاستقرار. التجربة علّمته أن الاستقرار الحقيقي لا يُصنع عبر إدارة الأزمات، بل عبر الاعتراف بالحقوق. وأي محاولة لتجاوز هذا المبدأ، مهما بدت براغماتية في ظاهرها، ستظل قصيرة النفس.

سياسيًا، يقرأ الجنوب المشهد ببرود محسوب. يرى التحولات الإقليمية، يراقب توازنات القوى، ويدرك أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تموضع كبرى. في مثل هذه اللحظات، تميل بعض العواصم إلى تقليل المخاطر عبر ضبط الأطراف المحلية. غير أن هذا المنطق، حين يُطبَّق على الجنوب، يصطدم بحقيقة مختلفة: هنا قضية وطنية لا حركة احتجاج، ومسار تحرري لا ورقة تفاوض مؤقتة.

من هنا، يتكرّس الالتفاف الشعبي حول قيادة وُلدت من رحم القضية لا من غرف التفاهمات. الثقة المتراكمة ليست نتيجة خطاب عاطفي فقط، بل حصيلة مسار طويل من التنظيم، والحضور الميداني، وإدارة التوازنات الداخلية والخارجية. ولهذا يصرّ الجنوبيون على أن قيادتهم ليست تفويضًا مؤقتًا، بل تعبيرًا عن إرادة عامة تشكّلت عبر التجربة والاختبار. في هذا السياق، يبرز اسم عيدروس بن قاسم الزُبيدي كعنوان سياسي لمسار لا يمكن فصله عن قاعدته الشعبية.

لكن القراءة الناضجة لا تكتفي بتثبيت الشرعية، بل تسأل عن شروط استمرارها. القيادة، مهما بلغت شعبيتها، تُختبر بقدرتها على تحويل الرمزية إلى مكاسب سياسية، وعلى إدارة التعدد داخل الجنوب دون الوقوع في فخ الإقصاء أو التصلّب. النص الأصلي يذهب بعيدًا في إعلان الثقة، وهو مفهوم سياسيًا، لكنه يفتح بابًا لسؤال ضروري: كيف تُترجم هذه الثقة إلى مشروع دولة قابل للحياة، لا مجرد رد فعل على ضغوط الخارج؟

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الضغوط الخارجية غالبًا ما تُنتج أثرًا عكسيًا. فكلما ارتفعت نبرة التشويه، تعمّق الشعور الجمعي بالتهديد، وتعزّز الالتفاف حول الرموز. هذه معادلة معروفة في علم السياسة، حيث يتحوّل الضغط إلى محفّز للتماسك الداخلي بدل أن يكون أداة تفكيك. الجنوب، بحساسيته التاريخية، يقرأ هذا النمط جيدًا ويتعامل معه بوعي متزايد.

اقتصاديًا، يدرك الشارع الجنوبي أن الوعود المؤجلة والإغراءات المؤقتة لا تبني مستقبلًا. التنمية الحقيقية، من وجهة نظره، لا تنفصل عن القرار السيادي. لا يمكن الحديث عن استقرار اقتصادي دائم في ظل غموض سياسي، ولا عن استثمار مستدام في بيئة تُدار بقرارات فوقية. هذه قناعة ترسّخت مع الزمن، وأصبحت جزءًا من الخطاب الشعبي، لا النخبوي فقط.

أما على مستوى الخطاب، فالنص ينجح في تثبيت السردية الجنوبية بوصفها سردية كرامة وحق، لكنه يحتاج—إذا أراد بلوغ أقصى تأثيره—إلى تعميق التحليل دون التفريط في روحه. القارئ المحايد، أو صانع القرار، لا يكتفي بسماع الموقف، بل يبحث عن فهم الأدوات والسيناريوهات والبدائل. هنا، تكمن المساحة التي يمكن تطويرها: الانتقال من إعلان الرفض إلى تفكيك أسبابه، ومن تثبيت الخيار إلى شرح كلفه وفرصه.

الخلاصة أن الجنوب يقف اليوم عند مفترق طرق واضح. إما شراكة حقيقية تُبنى على الاعتراف بالإرادة الشعبية، أو مسار مستقل يحدده الجنوبيون بأنفسهم. الزمن، كما تقول التجارب، لا ينحاز لمن يرفع الصوت أكثر، بل لمن يملك مشروعًا واضحًا وقدرة على الصبر الاستراتيجي. والجنوب، بكل ما راكمه من وعي وتضحيات، يبدو مستعدًا للسير في هذا الطريق، بهدوء الواثق لا بعجلة المتردد، واضعًا الحرية والكرامة في صدارة أي معادلة سياسية قادمة.