عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):

كيف حوّل نظام الملالي إيران إلى مسرح جرائم ضد الإنسانية

لم يعد العنف في إيران انحرافًا أمنيًا عابرًا أو ردّ فعل ظرفيًا على احتجاجات داخلية، بل بات نمط حكم ممنهج يقوم على تحويل الشارع إلى ساحة قتل، والمستشفى إلى أداة تصفية، والجثة إلى ملف يجب محوه. التقرير الذي نشرته صحيفة "ذا صن" البريطانية لا يضيف مجرد تفاصيل صادمة، بل يكشف عن بنية متكاملة لجرائم ضد الإنسانية تُدار من أعلى هرم السلطة في نظام ولاية الفقيه.

على مدى سنوات، استثمر النظام الإيراني في سياسة التعتيم:  قطع الإنترنت، وتجريم التصوير، وإرهاب الشهود. غير أن ما تكشفه الشهادات التي نقلتها الصحيفة البريطانية يؤكد فشل هذه الاستراتيجية. فـ الشباب الثوار والمواطنون العاديون نجحوا في كسر الاحتكار المعلوماتي، ونقل صورة واقع لا يمكن تبريره أو إنكاره. هذا الاختراق لا يمثل مجرد تسريب إعلامي، بل انهيارًا في قدرة النظام على التحكم بالسردية.

تشير الشهادات القادمة من شيراز ومشهد إلى انتقال نوعي في مستوى العنف: من قمع دموي إلى إدارة قتل جماعي.  الحديث عن مقابر جماعية، ودفن مئات الجثث في حفرة واحدة، ونقل الجثامين لتقليل الأرقام المعلنة، يكشف عن عقلية أمنية تتعامل مع المواطنين كأرقام فائضة.  هذه الممارسات تندرج بوضوح ضمن تعريف الجرائم الدولية، وتفقد النظام أي ادعاء بالشرعية الداخلية أو القانونية.

أحد أخطر ما ورد في التقرير هو تسييس المنظومة الصحية.  منع الدم عن طفل مصاب حتى الموت، أو تعطيل علاج طفل في الثالثة حتى فقد بصره، ليس مجرد إهمال، بل قرار قتل غير مباشر.  إلغاء نوبات الأطباء غير "الموثوقين" يعكس تحويل الطب من مهنة إنسانية إلى ذراع أمني.  في أي تقييم استراتيجي، يُعد هذا مؤشراً على تفكك أخلاقي عميق داخل الدولة.

ما جرى في الأهواز ويزدانشهر يمثل ذروة العنف العاري. استخدام مدافع رشاشة ثقيلة (DShK) ضد مدنيين، وإطلاق النار على الرؤوس من مسافة قريبة، ورمي الجثث في أماكن نائية، يعكس عقيدة عسكرية تتعامل مع الشعب كعدو داخلي.  حين تصل الدولة إلى هذه المرحلة، فإنها تكون قد قطعت آخر خيوط العقد الاجتماعي.

حرق الجثث بالنار أو الأسيد، وابتزاز العائلات بمبالغ فلكية مقابل تسليم الجثمان، أو إجبارهم على توقيع اعترافات كاذبة، يكشف عن اقتصاد قمعي قائم بذاته. هنا لا يقتل النظام فقط، بل يربح من القتل، ويستخدم الجثة كورقة إذلال وردع جماعي.

توصيف السيدة مريم رجوي لهذه الوقائع كـ "جريمة خطيرة ضد الإنسانية" ليس خطابًا سياسيًا، بل توصيفًا قانونيًا دقيقًا. فالمعايير الدولية واضحة: قتل واسع النطاق، واستهداف مدنيين، وطمس الأدلة، واستخدام أجهزة الدولة في التنفيذ. السؤال لم يعد: هل النظام مذنب؟ بل: لماذا لم يُحاسَب بعد؟

في هذا السياق، تكتسب التحذيرات الأميركية، وتحركات القطع البحرية، دلالة تتجاوز الردع العسكري. فهي تعكس إدراكًا متأخرًا بأن التغاضي عن جرائم الداخل الإيراني يغذي تهديدات الخارج، من البرنامج النووي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي. أي مقاربة غربية لا تربط بين الملف الحقوقي وبنية النظام ستبقى قاصرة وغير فعّالة.

تكشف هذه الوقائع أن نظام الملالي لم يعد نظامًا قابلاً للإصلاح أو الاحتواء. نحن أمام سلطة تعتبر الإبادة أداة حكم، وتتعامل مع المجتمع بوصفه خطرًا وجوديًا. إن استمرار الصمت الدولي لا يعني الحياد، بل التواطؤ الضمني.  وفي لحظات كهذه، لا يكون السؤال عن استقرار النظام، بل عن كلفة تأجيل سقوطه.