ليبيا على مفترق طرق..

مقتل سيف الإسلام القذافي يعيد خلط الأوراق السياسية في ليبيا

غياب شخصية مثيرة للانقسام، لكنها ذات حضور اجتماعي وسياسي معتبر، يضع مسار المصالحة الوطنية والعملية الانتقالية أمام اختبار جديد، في بلد لا يزال يتأرجح بين منطق الدولة وسلطة السلاح، وبين رهانات الاستقرار ومخاطر الانزلاق مجددًا نحو الفوضى.

سيف الإسلام القذافي

طرابلس

أعاد الإعلان عن مقتل سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل، ترتيب المشهد الليبي المأزوم، وفتح الباب أمام موجة جديدة من التساؤلات حول مستقبل العملية السياسية ومسار المصالحة الوطنية، في بلد لم يغادر بعد دائرة الانتقال المؤجل والصراع المفتوح.

وأكد مصدر ليبي مطلع صحة الأنباء المتداولة بشأن مقتل سيف الإسلام، مشيرًا إلى أنه لقي مصرعه خلال اشتباكات مع مجموعات مسلحة في منطقة صحراوية غرب البلاد، قرب مدينة الزنتان، وتحديدًا في نطاق منطقة الحمادة، في واقعة تعكس هشاشة الوضع الأمني واستمرار منطق السلاح خارج سلطة الدولة.

وفي تصريح خاص، أكد رئيس الفريق السياسي لسيف الإسلام القذافي صحة خبر مقتله، رافضًا الخوض في تفاصيل تتعلق بملابسات الوفاة أو مكانها، مكتفيًا بالتأكيد على أن المعلومات المتوفرة “موثوقة ولا تقبل الشك”.

وكان رئيس الفريق السياسي قد نشر تدوينة على حسابه في موقع “فيسبوك” قال فيها: “إنا لله وإنا إليه راجعون، المجاهد سيف الإسلام القذافي في ذمة الله”، في منشور تزامن مع بيانات نعي صدرت عن شخصيات محسوبة على النظام السابق، تحدثت عن اشتباكات مع قيادات مليشياوية في محيط الزنتان بالجبل الغربي.

ويطرح مقتل سيف الإسلام تساؤلات عميقة بشأن مستقبل العملية السياسية في ليبيا، لا سيما أن التيار المحسوب عليه كان أحد الأطراف الموقعة على ميثاق المصالحة الوطنية، ويمثل شريحة اجتماعية وسياسية لا يُستهان بها، خصوصًا في مناطق الغرب والجنوب.

ويرى مراقبون أن غيابه قد يُشكّل ضربة مباشرة لمسار المصالحة الوطنية، في حين يعتبر آخرون أن ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 كان أحد أبرز عوامل تعطيل الاستحقاق الانتخابي، بعد إعلان ما عُرف آنذاك بـ“القوى القاهرة”، ما جعل حضوره السياسي عنصرًا إشكاليًا داخل المعادلة الليبية.

من جهته، قال الناطق باسم الحركة الشعبية الليبية، ناصر سعيد، إن الحديث عن مآلات واضحة للمشهد السياسي لا يزال سابقًا لأوانه، في ظل حالة الترقب والغموض التي تسيطر على التطورات الأخيرة.

وأوضح سعيد أن مسارات للحوار السياسي تجري حاليًا برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، عبر لجان فرعية تبحث ملفات متعددة، أبرزها ملف المصالحة الوطنية، إلى جانب مقترحات لعقد مؤتمر تأسيسي يهدف إلى إعادة بناء الدولة الليبية على أسس جديدة.

وأشار إلى أن الملف الليبي لم يعد يحتل موقعًا متقدمًا على أجندة المجتمع الدولي، في ظل انشغال القوى الكبرى بصراعات أوسع، معتبرًا أن منظومة القانون الدولي باتت تعاني من تراجع واضح في الفاعلية والتأثير.

وحذّر من أن استمرار الانقسام الداخلي، وارتهان بعض الأطراف الليبية لقوى إقليمية ودولية، سيبقي ليبيا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، مؤكدًا أن الفوضى وانتشار المليشيات يمثلان واقعًا مريحًا لقوى خارجية لا ترى في الاستقرار الليبي أولوية.

بدورها، وصفت الصحفية والمحللة السياسية الليبية عفاف الفرجاني الأنباء المتداولة عن مقتل سيف الإسلام، في حال تأكدت نهائيًا، بأنها تمثل “ضربة قاسمة” لما تبقى من آمال الليبيين في استعادة الاستقرار والوحدة الوطنية.

وقالت الفرجاني إن سيف الإسلام كان يتمتع بثقل سياسي وقاعدة شعبية معتبرة، معتبرة أن استهدافه يأتي ضمن سياق ممتد من الإقصاء والتصفية السياسية الذي تشهده ليبيا منذ عام 2011.

وأشارت إلى أنه ظل محتجزًا لسنوات رغم صدور قانون العفو العام رقم (15) لسنة 2014 عن مجلس النواب، والذي شمله بشكل صريح، لافتة إلى أنه كان يقيم في مدينة الزنتان تحت حماية كتيبة محلية واجهت ضغوطًا متكررة لتسليمه، لكنها واصلت حمايته في ظل واقع أمني معقد.

وحذرت من أن أي استهداف لشخصيات ذات حضور شعبي في هذا التوقيت قد يعيد البلاد إلى مربع الفوضى والانقسام، خاصة مع حالة الإنهاك التي يعيشها الشارع الليبي جراء الأزمات الاقتصادية وتدهور الخدمات.

يُعد سيف الإسلام القذافي أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في ليبيا بعد عام 2011. أُلقي القبض عليه في نوفمبر من ذلك العام، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا من قبل مجموعات مسلحة في مدينة الزنتان، ليغيب عن المشهد العام حتى عام 2017.

وعاد إلى الواجهة السياسية نهاية عام 2020 بإعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية المؤجلة، في خطوة أعادت اسمه بقوة إلى قلب الصراع السياسي، وسط رفض مجموعات مسلحة تسليمه للسلطات الليبية أو للمحكمة الجنائية الدولية، رغم صدور حكم بالإعدام بحقه عام 2015.