رولا القط تكتب لـ(اليوم الثامن):
العراق في عين واشنطن.. شراكة مشروطة وحدود النفوذ
البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية حول الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية الأميركي ورئيس الوزراء العراقي لم يكن مجرد نص بروتوكولي عابر، كما جرت العادة في بيانات “قراءة الاتصال”. في العادة، تُكتب هذه البيانات بلغة محسوبة بدقة لتجنب أي إيحاءات سياسية حادة: دعم الاستقرار، احترام السيادة، تعزيز الشراكة. لكنها هذه المرة خرجت عن القالب. ليس في الشكل، بل في الجوهر.
ما لفت انتباه المراقبين لم يكن سطرًا واحدًا فقط، بل التحول في زاوية النظر الأميركية إلى العراق. واشنطن لم تعد تتعامل مع بغداد باعتبارها ساحة تنافس نفوذ فحسب، بل بدأت تتعامل معها كاختبار لنموذج الدولة الهشة في الشرق الأوسط: دولة تمتلك مؤسسات رسمية، لكنها تعاني من ازدواجية القرار بين الحكومة والفاعلين المسلحين خارجها.
هذه الازدواجية ليست جديدة. منذ 2003، عاش العراق تجربة دولة تحاول أن تُبنى في ظل توازنات إقليمية معقدة. لكن الجديد هو أن الصياغة الأميركية لم تعد تفصل بين “العراق الرسمي” و“النفوذ الإيراني داخله” كما كانت تفعل سابقًا. لسنوات، كان الخطاب الأميركي يتحدث عن “شركاء داخل الدولة العراقية” أو “جهات غير حكومية”. الآن، الرسالة أقرب إلى القول إن المشكلة لم تعد هامشية، بل بنيوية.
في التحليل الدبلوماسي، اللغة مهمة بقدر المضمون. عندما تقول قوة كبرى إن حكومة واقعة تحت نفوذ خارجي لا تستطيع أن تكون شريكًا مستقرًا، فهي لا توجه انتقادًا تكتيكيًا، بل تعيد تعريف شروط العلاقة. هذه ليست قطيعة، لكنها أيضًا ليست مجاملة. إنها إعادة رسم حدود.
البيان يأتي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. التوتر بين واشنطن وطهران لم يعد محصورًا في ملف واحد، بل يمتد عبر ساحات متعددة: العراق، سوريا، البحر الأحمر، وملفات الطاقة والأمن البحري. في هذا السياق، يصبح العراق أكثر من مجرد دولة ذات سيادة؛ يصبح عقدة جيوسياسية. وكل عقدة من هذا النوع تُقرأ في واشنطن بمنطق الاستقرار الإقليمي، لا بمنطق العلاقات الثنائية فقط.
الولايات المتحدة، من منظور استراتيجي، لا تبحث عن عراق معادٍ لإيران، لكنها تبحث عن عراق يمكن التنبؤ بسلوكه. الفارق بين الحالتين كبير. المشكلة في نظر صناع القرار الأميركي ليست في علاقات بغداد بطهران بحد ذاتها، بل في غياب خط فاصل واضح بين قرار الدولة وقرار الفصائل المسلحة. هذا الغموض يجعل أي شراكة طويلة المدى محفوفة بالمخاطر.
داخل العراق، هذه الرسالة تُقرأ بطرق متباينة. بالنسبة للحكومة، هي ضغط سياسي إضافي في مساحة حركة أصلاً ضيقة. بغداد تحاول منذ سنوات لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، لا الاصطفاف الكامل مع أي منهما. لكن قدرة العراق على لعب هذا الدور مرتبطة بمدى سيطرته الداخلية على أدوات القوة. وكلما بدا أن القرار الأمني موزع بين جهات متعددة، تضاءلت قدرة الحكومة على إقناع الخارج باستقلاليتها.
أما بالنسبة للفاعلين السياسيين الآخرين، فالبيان يُستخدم كسلاح في صراع داخلي. خصوم الحكومة يرونه دليلاً على فشلها في إدارة التوازنات، بينما مؤيدوها يعتبرونه تدخلًا خارجيًا في شأن سيادي. الحقيقة تقع في منطقة رمادية بين الروايتين: العراق ليس دولة فاقدة السيادة بالكامل، لكنه أيضًا ليس دولة تحتكر قرارها الأمني بشكل كامل.
الدلالة الأعمق للبيان لا تتعلق بالعراق وحده. إنه جزء من نقاش أوسع داخل السياسة الأميركية حول كيفية التعامل مع الدول التي تعاني من ازدواجية السلطة. النموذج العراقي ليس استثناءً في المنطقة، بل جزء من ظاهرة أوسع حيث تتعايش الحكومات الرسمية مع شبكات مسلحة ذات ولاءات عابرة للحدود. السؤال الذي تواجهه واشنطن ليس أخلاقيًا، بل عملي: كيف تبني شراكة مع دولة لا تتحكم بكل أدواتها؟
الجواب الأميركي، كما يوحي البيان، هو تقليص سقف التوقعات. التعاون سيستمر في الملفات الضرورية — مكافحة الإرهاب، الأمن، الطاقة — لكن دون افتراض وجود تحالف استراتيجي كامل. بمعنى آخر، العلاقة تتحول من شراكة طويلة المدى إلى إدارة مصالح متقاطعة.
هذا التحول لا يعني أن العراق خرج من الحسابات الأميركية، بل يعني أنه لم يعد يُرى كنقطة ارتكاز إقليمية كما كان في بعض مراحل ما بعد 2003. إنه يُعامل الآن كمساحة توازن هش، لا كحليف مستقر. وهذه قراءة لها تبعات سياسية واقتصادية وأمنية على المدى الطويل.
في النهاية، البيان لا يعلن أزمة، لكنه يكشف واقعًا: العلاقة الأميركية العراقية دخلت مرحلة جديدة عنوانها الحذر. ليس حذر القطيعة، بل حذر الشراكة المشروطة. وفي منطقة اعتادت على الرسائل المشفرة، فإن قول ذلك بصيغة شبه مباشرة هو بحد ذاته حدث سياسي.


