رولا القط تكتب لـ(اليوم الثامن):

لبنان لم يعد ورقة… بل جزء من العقيدة

لم يعد من الدقة وصف لبنان بأنه ورقة تفاوض في يد إيران. هذا التوصيف، رغم شيوعه، يُبسط واقعًا أكثر تعقيدًا وخطورة. ما نشهده اليوم هو تحول بنيوي: لبنان لم يعد أداة ضغط ظرفية، بل أصبح جزءًا من منظومة الردع الإيرانية، وامتدادًا مباشرًا لعقيدتها الأمنية خارج حدودها.

منذ نشأة حزب الله كان واضحًا أن العلاقة مع طهران تتجاوز الدعم التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. لكن هذه الشراكة لم تبقَ ثابتة؛ بل تطورت تدريجيًا من رعاية إلى اندماج وظيفي ضمن مشروع إقليمي أوسع. اليوم، لا يمكن فهم موقع لبنان دون وضعه داخل شبكة النفوذ التي بنتها إيران، من العراق إلى سوريا وصولًا إلى البحر المتوسط.

تعتمد طهران على ما يمكن تسميته توزيع المخاطر أي نقل خطوط المواجهة بعيدًا عن أراضيها، وتحويل حلفائها إلى خطوط دفاع متقدمة. في هذا السياق، يشكل حزب الله الحلقة الأكثر حساسية وفعالية، نظرًا لموقعه الجغرافي وقدراته العسكرية. وجود قوة بهذا الحجم على حدود إسرائيل لا يمثل فقط تهديدًا عسكريًا، بل هو عنصر توازن استراتيجي يفرض نفسه في أي حسابات إقليمية أو دولية.

لكن الأهم من ذلك، أن هذا الواقع لم يعد قابلًا للفصل عن الأمن القومي الإيراني. أي استهداف مباشر لإيران لم يعد يُقاس بردّ داخل حدودها فقط، بل بإمكانية اشتعال جبهات متعددة، في مقدمتها لبنان. بهذا المعنى، لم يعد حزب الله ورقة يمكن استخدامها أو سحبها عند الحاجة، بل أصبح جزءًا من معادلة ردع دائمة، قائمة بحد ذاتها.

ورغم ذلك، لا يمكن إنكار البعد التفاوضي في هذا الدور. فالتصعيد في الجنوب اللبناني لا يحدث في فراغ، وغالبًا ما يتقاطع مع لحظات توتر بين إيران والغرب. غير أن قراءة هذا التزامن بوصفه مجرد “أداة ضغط” تُغفل التحول الأعمق: ما يجري ليس استخدامًا تكتيكيًا، بل توظيف استراتيجي طويل الأمد، حيث تتداخل أدوات الضغط مع بنية الردع نفسها.

المعضلة الحقيقية لا تكمن في دور إيران، بل في موقع الدولة اللبنانية داخل هذه المعادلة. فلبنان، الذي يواجه واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية والسياسية، يبدو شبه غائب عن قرارات مصيرية تتعلق بالحرب والسلم. هذا الغياب لا يعكس فقط ضعف الدولة، بل يكشف عن انتقال مركز القرار إلى خارج مؤسساتها.

في الداخل، ينقسم اللبنانيون حول هذا الواقع. هناك من يرى في حزب الله قوة ردع ضرورية في مواجهة إسرائيل، بينما يعتبره آخرون عاملًا يربط مصير البلاد بصراعات إقليمية لا يملك اللبنانيون قرارها. غير أن هذا الانقسام، على حدّته، لا يغير من حقيقة أساسية: القرار لم يعد لبنانيًا بالكامل.

وفي القرى الجنوبية، حيث تلامس هذه الاستراتيجيات حياة الناس اليومية، لا تُقاس المعادلات بلغة “الردع” و”التوازن”، بل بالخوف من ليلة قد تتحول فيها الاشتباكات المحدودة إلى حرب مفتوحة. هناك، يصبح السؤال أقل تعقيدًا وأكثر قسوة: من يقرر متى تبدأ الحرب، ومن يملك القدرة على إيقافها؟

في المحصلة، لم يعد لبنان يقف على هامش الصراع، ولا حتى في قلبه فقط. لقد أصبح جزءًا من بنيته. لم يعد ساحة تُستخدم عند الحاجة، بل خط تماس دائم في معادلة إقليمية أكبر منه بكثير.

المشكلة لم تعد في توصيف الدور ورقة أم جبهة بل في غياب القدرة على الخروج من هذا الدور. لأن الدول التي تتحول إلى أدوات في صراعات الآخرين، لا تخسر سيادتها فقط… بل تخسر أيضًا حقها في اختيار مصيرها