ضربة نوعية في قلب النظام الإيراني..

تفكيك مركز الثقل: اغتيال لاريجاني وتداعياته على بنية السلطة في طهران

يشير التقرير إلى أن هذه الضربات تضرب تماسك النظام من الداخل، عبر إضعاف التوازنات السياسية وتقليص قدرته على إعادة إنتاج قيادته. كما يبرز تراجع أدوات الضبط الداخلي، وتزايد احتمالات الفراغ القيادي، بما يضع النظام أمام سيناريوهات تتراوح بين التشدد الأمني أو التفكك التدريجي تحت ضغط داخلي وخارجي متزامن.

د. سامي خاطر
كاتب متخصص في الشؤون الإيرانية يكتب لدى صحيفة اليوم الثامن

تشير المعطيات الأخيرة إلى انتقال المواجهة بين إسرائيل والنظام الإيراني إلى مرحلة تفكيك منهجي لمراكز القيادة، عقب إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس مقتل علي لاريجاني وقائد الباسيج غلام رضا سليماني. وتمثل هذه الضربة – في حال تأكدها من مصادر مستقلة – تحولًا نوعيًا من استهداف البنية العسكرية إلى استهداف الحلقة السياسية–الأمنية العليا التي تدير تماسك النظام.

برز لاريجاني خلال السنوات الأخيرة بوصفه أحد أبرز مهندسي إدارة الأزمات داخل النظام، خصوصًا بعد مقتل علي خامنئي. ولم يكن مجرد مسؤول رسمي، بل تحوّل إلى نقطة ارتكاز في التنسيق بين مراكز القوة المتنافسة، بما في ذلك الدائرة المرتبطة بـمجتبى خامنئي. إن اغتياله يضرب ما يمكن وصفه بـ"العمود الفقري غير المعلن" للنظام، ويفتح فراغًا حساسًا في إدارة التوازن بين الأجهزة الأمنية والعسكرية والسياسية.

تعكس تصريحات كاتس، التي أكد فيها أن العمليات ستطال "جميع بدائل القيادة"، توجّهًا استراتيجيًا يقوم على استنزاف النخبة الحاكمة، وليس فقط قدراتها العسكرية. ويتكامل هذا النهج مع توجهات معلنة من قبل بنيامين نتنياهو، ما يشير إلى سياسة تهدف إلى تقويض قدرة النظام على إعادة إنتاج قيادته.

وفي هذا السياق، لا يُقرأ مقتل لاريجاني وسليماني كحادث منفصل، بل كجزء من حملة ممتدة منذ 28 فبراير، استهدفت شخصيات محورية، مثل محمد باكبور وعبد الرحيم موسوي، بما يعكس تسارعًا واضحًا في تآكل البنية القيادية للنظام.

يمثل مقتل قائد الباسيج ضربة موازية لا تقل أهمية. فالباسيج ليست مجرد قوة شبه عسكرية، بل تُعد الأداة الأساسية للنظام في الضبط الاجتماعي وقمع الاحتجاجات. وغياب قيادتها في هذا التوقيت الحرج قد يؤدي إلى تراجع قدرة النظام على احتواء التوترات الداخلية، خاصة في ظل مؤشرات تصاعد السخط الشعبي.

تعكس هذه التطورات أزمة مزدوجة يواجهها النظام الإيراني: فقدان القيادات وتآكل الشرعية. فاستهداف شخصيات بهذا الوزن يرسل إشارة واضحة إلى الداخل بأن النخبة الحاكمة لم تعد بمنأى عن الاستهداف، ما قد يعمّق الانقسامات داخل بنية النظام.

وفي هذا الإطار، تشير أطروحات المعارضة الإيرانية، بما في ذلك مواقف مريم رجوي، إلى دخول النظام مرحلة "انكشاف استراتيجي"، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع ديناميات الاحتجاج الداخلي، بما يضعف قدرته على الاستمرار على المدى الطويل.

تطرح وتيرة الاستهداف المتسارعة تساؤلات جوهرية حول قدرة النظام على إعادة إنتاج قيادة بديلة. فالنخب التي كانت تُصنّف ضمن الصف الثاني أو الثالث أصبحت بدورها ضمن دائرة الاستهداف، ما يخلق حالة من التردد المؤسسي ويؤثر على عملية اتخاذ القرار.

وقد يقود هذا الوضع إلى أحد مسارين: تشدد أمني مفرط لمحاولة احتواء الانهيار، أو تفكك تدريجي لمراكز القوة قد يفضي إلى إعادة تشكيل النظام أو انهياره تحت ضغط مركب داخلي وخارجي.

في ضوء هذه المؤشرات، لم يعد ما يجري مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّل إلى عملية تفكيك ممنهجة لبنية النظام الإيراني. ويشكّل استهداف شخصيات مركزية مثل لاريجاني وقائد الباسيج مرحلة متقدمة في هذا المسار، بما قد يمهد لتسارع انهيار مراكز القرار.

وبينما يحاول النظام الحفاظ على تماسكه، تشير المعطيات إلى اختلال متزايد في معادلة الردع، ما يضعه أمام أحد أخطر التحديات في تاريخه السياسي.