رولا القط تكتب لـ(اليوم الثامن):

اليمن وسيناريو التحالفات الرمادية

لم يكن التطرّف في اليمن يومًا مسألة داخلية معزولة، بل ظلّ على الدوام جزءًا من معادلة إقليمية ودولية متشابكة. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، تحوّل اليمن إلى ساحة مفتوحة لتنظيمات عابرة للحدود ذات طموحات عالمية، في ظل هشاشة بنيوية للدولة، وتداخل عميق بين البُعدين القبلي والسياسي، وتدخّل مباشر لقوى إقليمية كبرى، في مقدّمتها إيران والسعودية والإمارات.
لم تُنتج الحرب الأهلية صراعًا ثنائيًا واضح المعالم، بل كرّست مشهدًا معقّدًا تتقاطع فيه مصالح أطراف متناقضة، تتحالف مرحليًا وتتصادم استراتيجيًا.

في قلب هذا المشهد تقف أطراف رئيسية: تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، جماعة أنصار الله (الحوثيون) المدعومة إيرانيًا، الحكومة اليمنية بتشكّلاتها المتعدّدة، وحزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي يمثّل حالة إشكالية فريدة بوصفه تيارًا إسلاميًا سياسيًا مندمجًا في بنية السلطة، وشريكًا ميدانيًا، ومصدر شك دائم لدى واشنطن وحلفائها في آن واحد.

القاعدة: التهديد الأول في الذاكرة الأميركية كان تنظيم القاعدة أول تهديد مباشر واجهته الولايات المتحدة في اليمن. فمن تفجير المدمّرة الأميركية USS Cole في ميناء عدن عام 2000، إلى محاولة تفجير طائرة الركاب المتجهة إلى ديترويت في عيد الميلاد عام 2009، شكّل اليمن منصة مركزية لعمليات التنظيم ضد المصالح الغربية.
ومع تأسيس تنظيم “القاعدة في جزيرة العرب” عام 2009، اعتبرته واشنطن أخطر فروع القاعدة عالميًا، لا سيما مع بروز شخصيات مثل إبراهيم العسيري، مهندس المتفجرات الذي دفع الولايات المتحدة إلى تصعيد غير مسبوق في برنامج الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة.

ورغم تراجع سيطرة التنظيم الميدانية بعد عام 2016، لم يختفِ من المشهد، بل أعاد التموضع مستفيدًا من الفوضى المستمرة، ليواصل تنفيذ هجمات داخلية ويُكرّس حضوره كتهديد طويل الأمد، مؤجّل لكنه قائم.

الحوثيون: من تمرّد محلي إلى لاعب إقليمي بالتوازي مع نشاط القاعدة، صعد الحوثيون كقوة تمرّد مسلّحة في شمال اليمن منذ مطلع الألفية، مستفيدين من ضعف الدولة في عهد الرئيس الراحل علي عبد الله صالح. ومع اجتياح صنعاء في سبتمبر 2014، تحوّلوا سريعًا إلى اللاعب العسكري الأبرز، ما استدعى تدخّل التحالف العربي بقيادة السعودية عام 2015، بدعم أميركي مباشر.

أفرز هذا الصراع تحالفات اضطرارية غير متوقعة؛ ففي مراحله الأولى، وجد تنظيم القاعدة نفسه يقاتل إلى جانب قوات الحكومة، التي كان حزب الإصلاح جزءًا أساسيًا منها، في مواجهة الحوثيين. ولاحقًا، دخل صالح نفسه في تحالف تكتيكي مع الحوثيين، قبل أن ينقلب عليه وينتهي مقتولًا على أيديهم عام 2017، في واحدة من أكثر لحظات الحرب اليمنية دلالة على سيولة التحالفات.

تحالفات مصلحية: عندما تتراجع الأيديولوجيا من أخطر تطورات السنوات الأخيرة ما كشفه تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة لعام 2024 حول قيام “تحالف انتهازي” بين الحوثيين وتنظيم القاعدة. تحالف يتجاوز الخلافات العقائدية والمذهبية، ويقوم على عدو مشترك: الولايات المتحدة، وإسرائيل، والغرب.
هذا التقاطع لم يعد مستغربًا في ضوء استضافة إيران لقيادات بارزة في تنظيم القاعدة، أبرزهم سيف العدل، ما يعكس منطقًا براغماتيًا يُغلّب المصلحة على الأيديولوجيا.

في المقابل، أُعيد تشكيل السلطة المعترف بها دوليًا عبر مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، في محاولة لجمع أطراف متناقضة تحت مظلة واحدة لمواجهة الحوثيين. ضمّ المجلس ممثلين عن حزب الإصلاح والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، ما حوّل الحكومة نفسها إلى ساحة صراع داخلي مؤجّل، أكثر منها إطارًا موحّدًا للقرار.

الإصلاح: الشريك المربك لواشنطن يمثّل حزب الإصلاح المعضلة الأكثر تعقيدًا في السياسة الأميركية تجاه اليمن. فهو حزب واسع القاعدة، يضم تيارات إخوانية وسلفية وزعامات قبلية، وكان شريكًا أساسيًا في الحكومات المدعومة أميركيًا لعقود. وفي الوقت نفسه، يصرّ على نفي أي انتماء تنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، رغم وضوح الجذور الفكرية والعلاقات التاريخية.

مع عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار الأميركي، ونهجه المتشدّد تجاه فروع الإخوان المسلمين، يجد الإصلاح نفسه مهددًا بالتصنيف أو العقوبات. خصومه، خصوصًا في الجنوب، يتهمونه بتسهيل اختراق الحوثيين والقاعدة لمؤسسات الدولة، وبغضّ الطرف عن شبكات تهريب السلاح. في المقابل، ترى واشنطن أن أي استهداف مباشر للإصلاح قد يهدّد تماسك التحالف المناهض للحوثيين، ويدفع أجزاء من الحكومة إلى مزيد من الهشاشة والانقسام.

المأزق الأميركي: أولوية الحوثي أم تعدّد الخصوم؟تركّز السياسة الأميركية حاليًا على الحوثيين باعتبارهم الخطر الأكثر إلحاحًا، لا سيما بعد هجماتهم على الملاحة الدولية في البحر الأحمر. غير أن التجربة أثبتت أن الضربات الجوية وحدها، مهما بلغت كثافتها، لا تكفي لإنهاء التهديد. فاليمن ساحة مفتوحة تتغذّى فيها التنظيمات المتطرفة على الفراغات السياسية، والتحالفات الرمادية، وتناقضات الحلفاء.

إن تجاهل دور القاعدة، أو التقليل من خطورة التناقضات البنيوية داخل حزب الإصلاح، قد يُنتج تهديدات مؤجّلة تعود بأشكال أكثر تعقيدًا وخطورة. وفي المقابل، فإن استهداف الإصلاح دون استراتيجية شاملة قد ينسف ما تبقّى من تماسك في المعسكر المناهض للحوثيين، ويُعيد خلط الأوراق في ساحة لم تعرف الاستقرار منذ أكثر من عقد.