د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):
المعارضة المُصنَّعة ومحاولة اختطاف الانتفاضة: رضا بهلوي بين الوصاية الخارجية ورفض الداخل
انتفاضة تُسقط النظام… وتُسقط أوهام البدائل
لم تعد الانتفاضة الإيرانية الراهنة مجرد مواجهة مفتوحة مع نظام ولاية الفقيه، بل تحولت إلى لحظة فرز سياسي حاد حول من يملك حق تمثيل المستقبل. فإلى جانب تآكل شرعية نظام الملالي، تتكشّف محاولات لإعادة تدوير بدائل مفروضة من الخارج، أبرزها رضا بهلوي بوصفه "خيارًا جاهزًا" لمرحلة ما بعد السقوط. هذه المحاولة لا تقل خطورة عن الاستبداد القائم، لأنها تستهدف اختطاف الانتفاضة لا دعمها.
شعار "جاويد شاه": صناعة خارجية بلا امتداد داخلي
يؤكد محلل سياسي فرنسي، وكاتب وعقيد سابق في الجيش الفرنسي، أن شعار "جاويد شاه" لا ينبع من الداخل الإيراني، ولا يعكس المزاج العام للشارع المنتفض، بل يُدار من الخارج عبر منصات إعلامية وشبكات رقمية منظمة. هذه الظاهرة ليست رمزية، بل مؤشر على انفصال المشروع الملكي عن الواقع الاجتماعي والسياسي الإيراني.
الذباب الإلكتروني وغياب الشرعية
ويشير المحلل إلى أن أي انتقاد بسيط لرضا بهلوي على شبكات التواصل الاجتماعي يقابل بهجوم منسق من جيوش الحسابات الموجّهة، في نمط معروف بالذباب الإلكتروني. هذا السلوك يعكس غياب القاعدة الشعبية ومحاولة تعويضها بالضجيج الرقمي. فالشرعية الحقيقية لا تُصنع بالخوارزميات، بل بالتضحيات والتنظيم والامتداد الداخلي.
الأخطر أن رضا بهلوي لا يمتلك أي شرعية حقيقية بين الإيرانيين. خلال أكثر من خمسين عامًا من المنفى، لم يُسجَّل له أي فعل ملموس لدعم نضال الشعب الإيراني، سواء تنظيمًا أو مواجهة أو تضحية. وتصريحاته العاطفية "مستعد أن يموت من أجل الإيرانيين" تبقى خطابًا بلا سند تاريخي أو سياسي.
خطاب عاطفي يخفي مشروعًا ارتداديًا
يعتمد هذا الطرح على الرمزية العائلية واستدعاء الماضي بدل تقديم رؤية مستقبلية. الانتفاضة الحالية، بطابعها التنظيمي ووعيها السياسي، تجاوزت هذا النوع من الخطابات وأظهرت رفضًا صريحًا لأي محاولة لاستبدال استبداد ديني باستبداد وراثي. فالمسألة ليست تغيير الواجهة، بل تفكيك منطق الحكم المطلق نفسه.
البدائل المقبولة غربياً: ديمقراطية مُدارة لا سيادة وطنية
تندرج محاولات فرض شخصيات بلا امتداد شعبي ضمن مقاربة غربية أوسع تتعامل مع إيران كملف جيواستراتيجي لا دولة ذات سيادة. التاريخ، من انقلاب 1953 على حكومة مصدّق وصولًا إلى سياسات الاحتواء الراهنة، يظهر أن الغرب يفضّل سلطة موالية وقابلة للتطويع لضمان التحكم بالقرار السياسي والثروات والموقع الاستراتيجي. أي بديل خارجي ليس انتقالًا ديمقراطيًا حقيقيًا، بل إعادة إنتاج الهيمنة بواجهة جديدة.
محاولة سرقة الثورة وإعادة إنتاج الدولة الأمنية
يرى المحلل الفرنسي أن مشروع رضا بهلوي يحمل خطر إعادة إنتاج نموذج الدولة الأمنية التي عرفتها إيران في عهد والده، حيث تحولت البلاد إلى سجن كبير تديره أجهزة القمع، وعلى رأسها "السافاك". القفز فوق الانتفاضة وتحويلها إلى صفقة سياسية خارجية لا يعني إنقاذ إيران، بل مصادرة ثورتها.
الخاتمة: لحظة الفرز التي لا تقبل الرمادية
إيران اليوم أمام لحظة فرز تاريخية لا تحتمل الحلول الرمادية. الصراع ليس فقط بين الشعب ونظام الملالي، بل بين مشروع وطني ديمقراطي ينبع من الداخل ويدفع ثمنه الإيرانيون يوميًا، وبين مشروع خارجي يسعى لإعادة إنتاج الهيمنة بواجهة جديدة. الانتفاضة أثبتت رفض الشعب للوصاية، سواء بعمامة دينية أو تاج ملكي. الخطر الحقيقي لا يكمن في فراغ ما بعد السقوط، بل في محاولات ملء هذا الفراغ ببدائل لا تمثل الشعب. الديمقراطية المفروضة من الخارج ليست انتقالًا، بل شكل آخر من المصادرة، والتاريخ الإيراني يثبت أن السيادة المؤجلة تتحول دائمًا إلى استبداد مؤجل.


