د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):

إيران بعد خامنئي: معركة الشرعية وإعلان الحكومة المؤقتة

يمرّ النظام الإيراني بمرحلة يمكن وصفها بأنها الأكثر هشاشة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979.  فالتطورات الأخيرة، وفي مقدمتها الإعلان عن مشروع الحكومة المؤقتة للجمهورية الديمقراطية في إيران من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، تضع البلاد أمام معركة حاسمة حول الشرعية السياسية ومستقبل السلطة.

وفي هذا السياق، جاءت رسالة السيدة مريم رجوي لتؤكد أن المرحلة المقبلة لن تُحسم عبر صراعات داخل أجنحة النظام، بل عبر إرادة الشعب الإيراني وقوى المقاومة المنظمة.  إن أي محاولة من بقايا نظام ولاية الفقيه لتعيين مرشد جديد بعد علي خامنئي لن تكون قادرة على إيقاف المسار المتسارع نحو انهيار النظام.

إن هذا الطرح لا يعبّر فقط عن خطاب سياسي معارض، بل يمثل إطاراً استراتيجياً لمرحلة انتقالية تسعى المعارضة الإيرانية إلى بلورته منذ سنوات.

دعم برلماني غربي لخيار الانتقال الديمقراطي

ضمن هذا السياق المتصاعد، عُقد في البرلمان البريطاني مؤتمر بعنوان "إيران: نحو جمهورية ديمقراطية – دعم الحكومة المؤقتة"، شارك فيه عدد من النواب من مختلف الأحزاب السياسية في المملكة المتحدة.

وخلال المؤتمر تم الإعلان عن بيان دعم وقّعه 75 نائباً بريطانياً يؤيدون إعلان الحكومة المؤقتة كآلية لنقل السيادة إلى الشعب الإيراني. ويعكس هذا التطور تحولاً تدريجياً في بعض الأوساط السياسية الغربية التي بدأت تنظر إلى المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بوصفه الطرف القادر على إدارة مرحلة انتقالية محتملة.

وفي كلمتها التي ألقتها عبر الإنترنت، شددت مريم رجوي على أن التطورات الداخلية في إيران تشير إلى تآكل بنية النظام الدينية السياسية، مؤكدة أن موت خامنئي – سياسياً وتاريخياً – يعني نهاية نموذج ولاية الفقيه المطلق الذي حكم إيران لأكثر من أربعة عقود.

البرنامج النووي وسقوط سياسة الاسترضاء

من بين أبرز النقاط التي ركزت عليها رجوي في خطابها الدور الذي لعبته المقاومة الإيرانية في كشف البرنامج النووي للنظام منذ ما يقرب من ثلاثة عقود.

فوفقاً لقراءة المعارضة، لم يكن المشروع النووي الإيراني مجرد برنامج تقني، بل كان جزءاً من استراتيجية بقاء النظام عبر التهديد الإقليمي وابتزاز المجتمع الدولي.  وقد أدى ذلك إلى استنزاف موارد البلاد وتعميق عزلة إيران الدولية.

وترى رجوي أن سياسة الاسترضاء الغربية التي استمرت ثلاثين عاماً تجاه النظام الإيراني شكّلت خطأً استراتيجياً، لأنها منحت النظام الوقت لتطوير قدراته العسكرية وقمع الداخل. غير أن المرحلة الحالية تشهد انكشاف حدود هذه السياسة مع تصاعد الضغوط الداخلية والدولية على طهران.

القوة الحاسمة: الشعب ووحدات المقاومة

رغم تصاعد التوترات الدولية حول إيران، تؤكد المعارضة أن العامل الحاسم لن يكون الصراع الدولي بل التحولات داخل المجتمع الإيراني نفسه.

فانتفاضة يناير الأخيرة – التي شارك فيها آلاف الشباب والنساء – أعادت إلى الواجهة القدرة التعبوية للمجتمع الإيراني ضد النظام.  كما تشير تقارير المقاومة إلى تصاعد نشاط وحدات المقاومة المرتبطة بجيش التحرير الوطني الإيراني في عدة مدن، بما في ذلك عمليات استهدفت مواقع للنظام في طهران.

بالنسبة لرجوي، فإن هذه التطورات تمثل أساساً مادياً لاستراتيجية تغيير النظام، وليس مجرد خطاب سياسي. فالتغيير لن يأتي عبر تدخل خارجي، بل عبر حركة اجتماعية منظمة مدعومة ببديل سياسي واضح.

خطة الحكومة المؤقتة: آلية انتقال السلطة

إعلان الحكومة المؤقتة للجمهورية الديمقراطية في إيران يشكّل الركيزة الأساسية في هذا البديل السياسي. ووفقاً لقرارات المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، فإن هذه الحكومة ستكون مكلفة بإدارة مرحلة انتقالية قصيرة بعد سقوط النظام.

وتتضمن الخطة إجراء انتخابات حرة خلال ستة أشهر لتشكيل مجلس تأسيسي يضع دستوراً جديداً، يعقبه تأسيس مؤسسات الدولة الديمقراطية. وترتكز هذه المرحلة على خطة النقاط العشر التي أعلنتها مريم رجوي، والتي تقوم على مبادئ أبرزها:

فصل الدين عن الدولة
المساواة الكاملة بين النساء والرجال
التعددية السياسية
إلغاء عقوبة الإعدام
إقامة نظام جمهوري قائم على سيادة الشعب
إرساء إيران غير نووية
وبذلك تحاول المعارضة الإيرانية تقديم خارطة طريق واضحة للانتقال السياسي في حال انهيار النظام الحالي.

النساء كقوة قيادية في البديل السياسي

أحد العناصر اللافتة في خطاب رجوي هو الدور المركزي للنساء في قيادة المقاومة الإيرانية.  فالحركة المعارضة، تضم آلاف النساء في مواقع قيادية، بما في ذلك في معسكر أشرف 3 حيث تنشط قيادات بارزة في التنظيم.

وترى رجوي أن قيادة النساء ليست مجرد مسألة رمزية، بل تمثل مؤشراً على طبيعة البديل السياسي الذي تسعى المقاومة إلى بنائه. فالنظام الإيراني، الذي يقوم على هيكل ديني ذكوري صارم، يجد نفسه في مواجهة حركة معارضة تقودها النساء وتتبنى شعارات مثل: "لا للحجاب الإجباري، ولا للدين الإجباري، ولا لحكم الاستبداد".

معركة المستقبل: بين سقوط النظام وبناء الجمهورية

تشير المؤشرات المتراكمة – من الاحتجاجات الشعبية إلى الضغوط الدولية والانقسامات داخل النظام – إلى أن إيران تدخل مرحلة إعادة تشكيل سياسي عميق.

وفي هذا السياق، تحاول المقاومة الإيرانية تحويل لحظة الضعف التاريخي للنظام إلى فرصة لبناء بديل ديمقراطي منظم.

وإذا كانت طهران تراهن على إعادة إنتاج السلطة عبر تعيين مرشد جديد، فإن المعارضة تراهن على معادلة مختلفة تماماً: إسقاط النظام واستبداله بجمهورية ديمقراطية.

وبين هذين المسارين، تبدو إيران اليوم أمام معركة تقرير المصير السياسي التي قد تحدد ليس فقط مستقبل البلاد، بل أيضاً توازنات الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.