عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):

فضيحة أممية: حين يُكافأ نظام القمع الإيراني بمنصب لحقوق المرأة

أثار انتخاب ممثل النظام الإيراني نائباً لرئيس لجنة التنمية الاجتماعية التابعة للأمم المتحدة موجة إدانات واسعة، بعدما تم اعتماد القرار بالتوافق ودون اعتراض خلال اجتماع رسمي. الخطوة، التي كشفت تفاصيلها شبكة فوكس نيوز، جاءت في توقيت شديد الحساسية، إذ لا تزال تداعيات قمع احتجاجات ديسمبر ويناير تلقي بظلالها على صورة طهران دولياً.

المفارقة الصارخة تكمن في أن اللجنة الأممية معنية بتعزيز الديمقراطية وحقوق المرأة والمساواة الاجتماعية، بينما يواجه النظام الإيراني اتهامات موثقة بارتكاب انتهاكات جسيمة، شملت إطلاق النار على متظاهرين واعتقالات جماعية وقيوداً ممنهجة على النساء. هذا التناقض البنيوي بين المهمة المعلنة والسجل الفعلي للدولة المنتخبة يضع المنظمة الدولية أمام سؤال جوهري حول معاييرها المؤسسية.

أزمة مصداقية الأمم المتحدة

تزامن التعيين مع انتقادات متزايدة طالت أداء الأمم المتحدة حيال القمع في إيران، بل وامتدت إلى أمينها العام أنطونيو غوتيريش بسبب تهنئته الرسمية بذكرى ثورة 1979. هذا السياق عزّز الانطباع بأن المنظمة الدولية تعاني من ازدواجية معيارية:  بيانات قلق عامة في العلن، مقابل تمكين دبلوماسي في الكواليس.

القرار لا يُقرأ كإجراء بروتوكولي عابر، بل كإشارة سياسية تحمل تداعيات تتجاوز البعد الرمزي. فحين يُمنح نظام متهم بقمع النساء دوراً قيادياً في هيئة تُعنى بالمساواة بين الجنسين، فإن الرسالة الضمنية هي أن الاعتبارات الجيوسياسية تتقدم على معايير حقوق الإنسان.

واشنطن: انسحاب من "لجنة سخيفة"

في أول رد رسمي، انتقد السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز القرار، واصفاً اللجنة بأنها "سخيفة"، ومبرراً عدم مشاركة الولايات المتحدة فيها. هذا الموقف يعكس توجهاً أمريكياً متصاعداً نحو تقليص الانخراط في أطر أممية يُنظر إليها كمنحازة أو فاقدة للفاعلية.

غير أن الانسحاب أو المقاطعة لا يعالج أصل المشكلة، بل يترك الساحة فارغة أمام توازنات تصويتية تسمح بتمرير قرارات من هذا النوع. وهنا تبرز معضلة أعمق: هل تسعى القوى الغربية إلى إصلاح المنظومة من الداخل، أم تكتفي بإدانتها من الخارج؟

المقاومة الإيرانية: تشبيه الثعلب بحراسة القن

من جانبه، وصف علي رضا جعفر زاده، نائب مدير مكتب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في واشنطن، التعيين بأنه يشبه "تكليف الثعلب بحراسة قن الدجاج". التصريح، وإن بدا بلغة حادة، يعكس رؤية المعارضة التي ترى في القرار مكافأة لنظام متهم بجرائم ضد الإنسانية.

وفق بيانات وتقارير نشرتها منصات منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والموقع الرسمي للسيدة مريم رجوي، فإن انتفاضة يناير 2026 واجهت قمعاً منظماً شمل استخدام الرصاص الحي وأحكام إعدام متسارعة. من هذا المنظور، يصبح التعيين الأممي ليس فقط تجاهلاً للانتهاكات، بل إضفاء شرعية دولية غير مباشرة على مرتكبيها.

صمت أوروبي… أم تواطؤ بنيوي؟

وصف هيليل نوير، مدير منظمة مراقبة الأمم المتحدة، القرار بأنه جعل الأمم المتحدة "أضحوكة". وأشار إلى أن دولاً أوروبية سبق أن تحركت لمنع تعيين روسيا في هيئات معينة، لكنها اختارت الصمت في الحالة الإيرانية.

هذا التباين يفتح الباب أمام اتهام أوروبا بـ البراغماتية الانتقائية:  تشدد حيال خصوم استراتيجيين مباشرين، ومرونة حيال أنظمة يُحتمل إبقاء قنوات التفاوض معها مفتوحة، سواء في الملف النووي أو قضايا إقليمية. والنتيجة هي أن معايير المساءلة تبدو قابلة للتفاوض.

"صفعة في وجه النساء" واختبار النظام الدولي

اعتبرت المحللة ليزا دفتري أن منح طهران هذا الدور يمثل "صفعة في وجه النساء الإيرانيات" اللواتي يواجهن السجن بسبب رفض الحجاب الإلزامي. التوصيف يسلط الضوء على البعد الرمزي العميق للقرار:  تقويض الثقة في النظام الدولي لدى الشعوب التي تراهن عليه كملاذ أخلاقي.

في المحصلة، لا يتعلق الأمر بمقعد بروتوكولي، بل بـاختبار لمصداقية منظومة ما بعد الحرب العالمية الثانية.  إذا كانت الهيئات المعنية بحقوق الإنسان قابلة لقيادة أنظمة متهمة بانتهاكها، فإن مفهوم الشرعية الدولية نفسه يصبح موضع تساؤل.

إن تعيين طهران في موقع قيادي أممي، في ظل سجلها القمعي، يعكس خللاً بنيوياً في آليات الاختيار والتصويت داخل الأمم المتحدة. والأخطر أنه يبعث برسالة خاطئة إلى الداخل الإيراني: أن المجتمع الدولي قد يندد لفظياً، لكنه مستعد عملياً للتعايش مع الأمر الواقع. وبين الإدانة والتمكين، تتحدد اليوم مصداقية النظام الدولي أكثر من أي وقت مضى.