عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):
إيران في مهب التحول الكبير: تفكك ركائز الاستبداد وصعود فجر التغيير
مقدمة: ما وراء الغضب الميداني.. زلزال في بنية النظام
لم تعد المشاهد القادمة من المدن الإيرانية مجرد موجات احتجاجية عابرة أو انفجارات اجتماعية مدفوعة بمطالب معيشية فحسب، بل باتت تعكس تحولاً استراتيجياً في طبيعة الصراع بين المجتمع والدولة. نحن أمام معادلة جديدة تتجاوز منطق "الاحتواء الأمني"، حيث تنزلق السلطة نحو تفكك تدريجي في ركائزها السياسية والنفسية والاقتصادية. إن ما يحدث اليوم هو معركة على الشرعية السياسية وصلت إلى طورها الحاسم، حيث لم يعد الشارع يطالب بالإصلاح، بل يسعى لإنهاء المنظومة بالكامل.
الطلاق الاقتصادي: عندما ينحاز "البازار" إلى إرادة الشارع
يمثل التحاق بازار طهران والأسواق الكبرى بقطار الانتفاضة ضربة قاصمة لأحد أهم أعمدة الاستقرار التقليدي للنظام. فالبازار لم يكن مجرد مركز تجاري، بل كان عبر التاريخ الإيراني الحديث شريكاً في التوازنات الاجتماعية والسياسية. إن خروجه عن صمته وانضمامه للحراك الشعبي يعني انهيار "العقد الاجتماعي" القديم، وإدراك القوى الاقتصادية أن بقاء النظام بات يشكل خطراً وجودياً على مصالحها. هذا التحول لا يُقاس بالخسائر المادية فقط، بل بكونه إعلاناً رسمياً عن خسارة النظام لحاضنته الاجتماعية التقليدية.
المجتمع الدولي وحقائق القمع: جريمة "إيلام" وما بعدها
لقد وضع استهداف المرافق الطبية، كما حدث في مستشفى "إيلام"، النظام الإيراني في مواجهة مباشرة مع القوانين الدولية. إن توصيف هذه الأفعال كجرائم ضد الإنسانية من قبل جهات دولية يخرج القمع من إطاره المحلي ليحوله إلى عبء سياسي وقانوني على طهران. هذا الانزلاق نحو العنف الأعمى واستهداف الجرحى والأطباء يعكس حالة من فقدان السيطرة، حيث لم يعد القمع أداة للردع، بل أصبح عاملاً مسرعاً لعزلة النظام الدولية وتجريده من آخر هوامش المناورة الدبلوماسية.
انعكاس الآية: هجرة الخوف من الشوارع إلى أروقة السلطة
تشير القراءات التحليلية العميقة إلى تحول سيكولوجي غير مسبوق؛ فقد انكسر حاجز الخوف الذي استثمر فيه النظام عقوداً طويلة، وبدأ هذا الخوف يتسلل إلى داخل معسكر السلطة وقواتها القمعية. جيل الانتفاضة الجديد يتبنى تكتيكات هجومية مرنة أربكت الحسابات الأمنية، وحولت التفوق العسكري إلى عبء ميداني. إن تراجع قوات القمع في العديد من النقاط ليس تكتيكاً عسكرياً، بل هو علامة على إنهاك بنيوي وشكوك بدأت تراود منفذي الأوامر حول جدوى الاستمرار في مواجهة شعب قرر استعادة حريته.
المقاومة المنظمة: البوصلة التي تحمي الزخم الشعبي
في قلب هذا الحراك، يبرز دور "وحدات المقاومة" ومنظمة مجاهدي خلق كعنصر محفز ومنظم. إن أهمية هذا الدور تكمن في القدرة على تحويل الغضب العفوي إلى فعل سياسي مستدام، ومنع تشتت الجهود الشعبية. هذه الجاهزية التنظيمية هي التي منحت الانتفاضة صبغتها الاستمرارية، وربطت بين التحركات الميدانية والأفق السياسي البديل، مما جعل النظام يواجه خصماً لا يكتفي بالاحتجاج، بل يمتلك رؤية وخطة للمواجهة الشاملة.
إرادة المواطنة: الوعي الجمعي كقوة تغيير مادية
إن الصمود الأسطوري للمواطنين الإيرانيين في وجه آلة البطش يثبت أننا أمام وعي جديد بالكامل؛ وعي يرفض أوهام "الإصلاح من الداخل" ويتمسك بالتغيير الجذري. هذا الصمود يستند إلى قناعة شعبية بأن كلفة التغيير، مهما عظمت، تظل أقل بكثير من كلفة البقاء تحت وطأة الاستبداد. هنا تكمن الخطورة الحقيقية على النظام: مجتمع لم يعد يقبل بأنصاف الحلول، وحراك تحول من "رد فعل" إلى "فعل ثوري" يطالب بإنهاء ولاية الفقيه كلياً.
المسؤولية الدولية: نهاية عصر المهادنة
أمام هذه الوقائع، يواجه المجتمع الدولي استحقاقاً أخلاقياً وسياسياً كبيراً. لم يعد من الممكن النظر إلى ما يجري في إيران كشأن داخلي، بل كتحول استراتيجي يستوجب اعترافاً دولياً بحق الشعب الإيراني في الدفاع عن نفسه وتغيير نظامه. إن سياسة المهادنة التي اتبعتها بعض العواصم لم تؤدِّ إلا إلى إطالة أمد القمع ومنح النظام وقتاً إضافياً للفتك بشعبه. إن تجاوز المعارضة الديمقراطية المنظمة في الحسابات الدولية هو خطأ استراتيجي يترك فراغاً لا يخدم سوى الاستبداد، والمطلوب اليوم هو تفعيل آليات المحاسبة الدولية لضمان عدم إفلات المجرمين من العقاب.
الخاتمة: اللحظة التي لا عودة عنها
إن المسار الذي دخلته إيران اليوم هو مسار تاريخي يتجه نحو "لحظة الحسم". تآكل الشرعية، سقوط هيبة الأمن، انهيار التحالفات الاقتصادية، وتصاعد التنظيم الشعبي، كلها شواهد تؤكد أن النظام الإيراني قد دخل مرحلة الغروب السياسي. السؤال الآن ليس "هل سيتغير النظام؟"، بل "متى وكيف؟"، ومن سيختار الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ في مواجهة منظومة باتت تعيش لحظاتها الأخيرة.

