عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):

فرنسا وإيران بين وهم البدائل وحتمية التغيير

يشكّل المقال المشترك المنشور في مجلة ماريان، والموقّع من شخصيات فرنسية بارزة مثل أندريه شاسين وجيلبير ميتران، تطوراً نوعياً في مقاربة النخبة السياسية الفرنسية للملف الإيراني. فالنص لا يكتفي بإبداء تعاطف أخلاقي مع المحتجين، بل يطرح قراءة سياسية حاسمة تعتبر أن ما يجري في إيران ليس موجة اضطراب ظرفية، بل صراع شرعية مكتمل الأركان بين مجتمع يطالب بإسقاط النظام، وسلطة ثيوقراطية فقدت كل مقومات البقاء السياسي.

الدلالة الأهم في المقال تكمن في تبنّي شعار الشارع الإيراني: "لا لنظام الملالي، لا لنظام الشاه"، بوصفه تعبيراً عن خيار استراتيجي يرفض إعادة تدوير الاستبداد بأشكال مختلفة. بهذا المعنى، تنتقل باريس – ولو جزئياً – من سياسة إدارة الأزمة إلى الاعتراف بضرورة تفكيك بنية النظام.

انتفاضة تتجاوز الإصلاح: نهاية وهم الترميم

وفقاً للمعطيات المتداولة في أوساط المعارضة الإيرانية، فإن انتفاضة هذا العام تمثل تتويجاً لأربعة عقود من التراكم التنظيمي والخبرة الميدانية. القمع الذي أودى بحياة الآلاف واعتقال عشرات الآلاف لم ينجح في استعادة الردع، بل عزّز قناعة عامة بأن أي حديث عن إصلاح داخلي أصبح فاقداً للمصداقية.

من المنظور السياسي، يعكس ذلك تحوّلاً بنيوياً: فالنظام لم يعد قادراً على إنتاج تنازلات كافية لاحتواء الشارع، كما أنه غير مستعد للتخلي عن أدواته القمعية. هذه المعادلة تجعل من الاستمرار في الرهان الغربي على "تغيير سلوك النظام" رهاناً غير واقعي، وتفرض التفكير في مرحلة ما بعد النظام باعتبارها احتمالاً عملياً لا افتراضاً نظرياً.

رفض التدخل العسكري: تجنب هدية مجانية للنظام

يتميّز الموقف الفرنسي الوارد في المقال برفض واضح لأي تدخل عسكري أجنبي. هذا التحفّظ لا ينطلق من حياد، بل من قراءة براغماتية مفادها أن الحرب الخارجية ستمنح طهران ذريعة ذهبية لإعادة إنتاج خطاب "المؤامرة"، وتبرير سحق الداخل. التجارب الإقليمية تثبت أن التغيير المفروض من الخارج غالباً ما يفتح أبواب الفوضى بدل التحول الديمقراطي.

بذلك، يضع الموقعون إطاراً دقيقاً: دعم سياسي وقانوني للشعب الإيراني، دون عسكرة الصراع. إنها مقاربة تسعى إلى عزل النظام دولياً مع الحفاظ على ديناميكية الداخل.

سقوط بديل الشاه: نقد بناء "الواجهة الإعلامية"

يتوقف المقال مطولاً عند محاولات تسويق رضا بهلوي كخيار بديل. التقييم الفرنسي حاد: لا وجود لقاعدة اجتماعية فعلية لهذا الطرح داخل إيران، والرهان عليه يُعد بناءً إعلامياً أكثر منه مشروعاً سياسياً متجذراً. كما أن الذاكرة الإيرانية لم تنسَ جهاز السافاك ولا طبيعة الحكم الشمولي في عهد محمد رضا بهلوي.

الأخطر، بحسب المقال، أن تضخيم هذا الخيار يخدم موضوعياً سردية النظام الحالي، الذي يسعى إلى تصوير الانتفاضة كامتداد لصراعات خارجية. من منظور استراتيجي، فإن تشتيت المشهد المعارض يطيل عمر النظام بدلاً من تقصيره.

المجلس الوطني للمقاومة: مشروع سياسي أم معادلة انتقال؟

في المقابل، يمنح النص وزناً خاصاً لـ المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بوصفه الكيان الأكثر تنظيماً وتماسكاً، مستنداً إلى "خطة النقاط العشر" التي تطرحها قيادته. هذه الخطة – التي تتعهد بجمهورية ديمقراطية علمانية، وإلغاء عقوبة الإعدام، وضمان المساواة، والتخلي عن الطموحات النووية العسكرية – تُقدَّم كإطار انتقالي قابل للنقاش الدولي.

سواء اتُّفق أو اختلف مع هذا التوصيف، فإن الإقرار بوجود بديل سياسي منظم يغيّر معادلة الحسابات الأوروبية. فالتعامل مع إيران لم يعد مقتصراً على إدارة نظام قائم، بل يشمل دراسة جدوى دعم انتقال سياسي محتمل.

من الإدراج إلى التفكيك: اختبار الجدية الأوروبية

يدعو الموقعون الحكومة الفرنسية إلى ما هو أبعد من إدراج "الحرس الثوري" على قوائم الإرهاب، مطالبين بتفعيل القرار عملياً والعمل على تفكيك هذه البنية القمعية، وتسريع المسارات القضائية الدولية لمحاسبة قادة النظام. هذه المقترحات تنقل النقاش من الرمزية إلى آليات الضغط الفعلي.

الخلاصة التي يفرضها هذا التطور هي أن أوروبا تقف أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في سياسة الاحتواء الحذر التي أثبتت محدوديتها، أو تبنّي مقاربة تعترف بأن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق إلا عبر إنهاء أحد أكثر الأنظمة راديكالية وعدوانية في المنطقة.  إن شعار "لا للملالي ولا للشاه" ليس مجرد هتاف؛ إنه إعلان قطيعة مزدوجة مع ماضٍ استبدادي وحاضر أكثر قسوة، ورسالة إلى العواصم الغربية بأن الرهان على أنصاف الحلول لم يعد خياراً قابلاً للاستدامة.

عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري