راشد شاتيلا يكتب لـ(اليوم الثامن):

الوحدة العربية… عهد الكرامة في زمن العواصف وسور العدالة في وجه العدوان

ليست الوحدة العربية عبارةً تُقال في لحظة حماسة، ولا عنوانًا بلاغيًا يُزيّن المقالات، بل هي قدرٌ تاريخيّ يتجدد كلما اشتدّت العواصف، وكلما حاول العدوان أن يختبر صلابة الأرض والإنسان. إنها الوعي العميق بأن السيادة ليست حدودًا مرسومة بالحبر، بل كرامةٌ مصونة بالإرادة، وأن أمن أي دولة عربية هو امتدادٌ طبيعي لأمن سائر الدول.

في هذا الوقت الدقيق، حيث يتصاعد التوتر في سياق الصراع العربي–الإسرائيلي، وتُستحضر مشاهد الألم والقلق في الوجدان الجمعي، تصبح الوحدة العربية ضرورةً أكثر من أي وقت مضى. لا بوصفها ردّ فعلٍ انفعالي، بل باعتبارها موقفًا استراتيجيًا واعيًا يحمي الاستقرار، ويمنع تفكك المواقف، ويُعيد التأكيد على أن الحقوق لا تسقط، وأن العدالة ليست خيارًا ثانويًا في معادلات السياسة.

حين يقع عدوانٌ إسرائيلي على أرضٍ عربية، فإن القضية لا تكون محصورة في رقعة جغرافية بعينها، بل تمتد إلى مبدأٍ جوهري: حق الشعوب في العيش بأمان، وحق الدول في ممارسة سيادتها كاملةً دون تهديد. إن الوحدة العربية في هذه اللحظة ليست دعوةً إلى التصعيد، بل إلى التماسك خلف موقفٍ قانوني ودبلوماسي واضح، يستند إلى الشرعية الدولية، ويُطالب بوقف الاعتداء، واحترام القرارات الأممية، والالتزام بمسارٍ عادلٍ يُفضي إلى سلامٍ حقيقي.

الوحدة هنا تعني أن يكون الصوت العربي منسجمًا، لا متفرقًا؛ أن تُدار المواقف بعقلٍ جماعي ؛ وأن يُفهم للعالم أن المنطقة ليست فراغًا سياسيًا يمكن فرض الأمر الواقع عليه. فحين تتوحد الكلمة، يتغيّر ميزان التأثير، ويتحول التضامن إلى قوة ردعٍ مشروعة، تُحصّن الاستقرار بدل أن تُغامر به.

وفي عمق المعنى، الوحدة ليست اندماجًا يُلغي الخصوصيات، بل تكاملًا يحفظها ويمنحها بُعدًا أوسع. لكل دولة عربية تاريخها وتجربتها ومصالحها، لكن اجتماع الإرادات يخلق ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا لا يمكن تجاهله. فالنهضة العربية لن تُكتب في ظل الانقسام، بل في فضاء الثقة والتنسيق والتخطيط المشترك. والاقتصاد العربي، بموارده وأسواقه وطاقاته البشرية، قادرٌ أن يشكّل قوةً عالمية حقيقية، تفرض حضورها لا بالصوت المرتفع، بل بالفعل المتماسك.

إن العالم اليوم تحكمه الكتل الكبرى، ومن يبقَ متفرقًا يتراجع تأثيره. أما من يتماسك في لحظات التحدي، فيثبت أنه شريكٌ يُحسب له حساب. الوحدة العربية في وجه العدوان الإسرائيلي في هذا الوقت تحديدًا ليست خيارًا عاطفيًا، بل رسالة استقرار تقول إن السلام لا يُبنى بالقوة، وإن الأمن لا يتحقق بفرض الوقائع، بل عبر الاعتراف المتبادل بالحقوق والاحتكام إلى القانون.

وفي بعدها الأخلاقي، تستمد الوحدة نورها من قيمٍ راسخة في الضمير العربي: نصرة الحق، حماية المظلوم، والسعي إلى إصلاحٍ يقوم على العدل لا الانتقام. هذا النور لا يدعو إلى صدام، بل إلى ثباتٍ حكيم؛ لا إلى فوضى، بل إلى انضباطٍ مسؤول يجعل من الكرامة معيارًا ومن القانون مرجعية.

الوحدة العربية ليست مشروع مواجهة مفتوحة، بل مشروع صونٍ للكرامة الجماعية. ليست دعوة حرب، بل رؤية سلامٍ عادلٍ راسخ، يقوم على إنهاء أسباب النزاع لا إدارة آثاره فقط. وعندما تتلاقى الإرادات العربية على قاعدة التنسيق السياسي، والتكامل الاقتصادي، والاحترام المتبادل، يتحول التضامن إلى سورٍ يحمي، وجسرٍ يعبر بالمنطقة إلى مستقبلٍ أكثر توازنًا.

وحين يدرك العرب أن هذا الزمن لا يحتمل التردد، وأن لحظة التحدي تستدعي وضوحًا وتماسكًا، تتضح الصورة أكثر: أمةٌ تعرف وزنها، تدافع عن حقوقها بوعيٍ ومسؤولية، وتؤمن أن وحدتها هي أقوى رسائلها، وأن السلام العادل ليس حلمًا بعيدًا، بل نتيجةٌ حتمية لإرادةٍ عربيةٍ متحدة لا تنكسر.