رئيس التحرير يكتب:
الحوثيون لم يعودوا ورقة نفوذ… والسؤال الآن من سيملأ الفراغ بعد سقوطهم؟
تواجه إيران لحظة اعتراف نادرة: الجماعة التي صنعتها ورعتها منذ تسعينات القرن الماضي، جماعة الحوثيين اليمنية، لم تعد تتحرك وفق حسابات طهران. فالمؤشرات الصادرة من داخل دوائر صنع القرار الإيراني تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الذراع اليمنية خرجت عن السيطرة، وأن الرهان على تحويلها إلى "حزب الله يمني في خاصرة السعودية ودول الإقليم" قد تعثّر عند أول اختبار حقيقي.
هذا التحوّل يفتح سؤالًا أكبر حول مستقبل شبكة الوكلاء التي بنتها إيران خلال العقدين الماضيين، فالتصدّع الذي ضرب العلاقة بين طهران والحوثيين يأتي بعد مؤشرات مشابهة في لبنان والعراق، بما يوحي بأن "محور المقاومة" يواجه ضغوطًا داخلية وخارجية تتجاوز قدرة إيران على إدارتها، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تهزّ الجمهورية الإسلامية من الداخل.
وفي اليمن، أصبح واضحًا أن الجماعة لم تعد ورقة جاذبة لأي طرف إقليمي أو دولي يمكنه تبنيها كورقة نفوذ أو مساومة، فالأزمات المتراكمة داخل مناطق سيطرتها جعلت مشروع الحوثيين أقل إغراءً حتى لدى القوى التي كانت ترى فيه طرفًا قادرًا على ملء فراغ الدولة. وتزداد القناعة داخل اليمن وخارجه بأن الجماعة تدخل مرحلة تراجع بنيوي، وأن السؤال لم يعد ما إذا كانت ستنهار، بل: من سيملأ الفراغ بعدها؟
وتشير المعطيات إلى أن البديل الأكثر قدرة على إدارة المرحلة التالية يتمثل في قوات المقاومة الوطنية، باعتبارها القوة التي تتمتع بقبول شعبي في شمال اليمن، وبعلاقات وثيقة مع الجنوب، فالمجلس السياسي الذي يقوده عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق أول طارق صالح، بات يُنظر إليه بوصفه الخيار الواقعي لإدارة الدولة بعد الحوثيين، ورافعة محتملة لإعادة بناء النظام السياسي بعيدًا عن نماذج الإسلام السياسي المسلحة.
وقد وصفت صحيفة تلغراف البريطانية ما يحدث بأنه "أكبر انتكاسة استراتيجية" للنظام الإيراني منذ سنوات، إذ نقلت عن مسؤولين كبار في طهران اعترافهم بفقدان السيطرة على جماعة الحوثيين في اليمن، آخر أعمدة شبكة وكلائها الإقليميين.
وأقرّ المسؤولون بأن الجماعة، التي شنّت هجمات متكررة على طرق الشحن العالمية، لم تعد تأخذ أوامرها من طهران كما في السابق، بما يكشف عن شرخ استراتيجي عميق في "محور المقاومة" الذي بناه النظام على مدى عقود، وسط انهيار تدريجي لدعاماته في لبنان والعراق وغزة.
ويقول مسؤول إيراني رفيع للصحيفة إن الحوثيين "ذهبوا في طريق التمرد"، وإنهم "لم يعودوا يستمعون إلى طهران كما كانوا يفعلون". ولم يُخفِ المسؤول – وفق التقرير – وجود نماذج مشابهة في العراق، حيث تتصرّف بعض الجماعات المسلحة "كما لو أن طهران لم تكن على صلة بها من قبل". وتمثل هذه الاعترافات تحوّلًا دراماتيكيًا، خصوصًا بعد استهداف إسرائيل لقادة حزب الله الكبار وتطويق حركة حماس عقب حصار غزة، مما جعل الحوثيين الركيزة الأخيرة والأهم لطهران، وخط حياة لا تستطيع تحمل خسارته.
وأمام هذا التصدّع المتزايد، أرسل النظام الإيراني قائدًا كبيرًا في قوات القدس التابعة للحرس الثوري، عبدالرضا شهلاي، إلى اليمن في محاولة يائسة لاستعادة النفوذ. وتتمثل مهمته في الضغط على الحوثيين لاستعادة مستوى من التعاون، إذ تُنظر إليهم في طهران على أنهم "الجماعة النشطة الوحيدة المتبقية" في شبكة الوكلاء.
يعاني الحوثيون منذ أواخر أغسطس/آب الماضي أزمة قيادة حادة، بعد أن تعرّضت الحكومة غير المعترف بها لضربة إسرائيلية أودت بحياة رئيسها وعدد كبير من الوزراء والمسؤولين المحليين والأمنيين والعسكريين. ولم تُظهر هذه الضربة "أزمة قيادية" فحسب، بل دفعت شخصيات مقربة من عبدالملك الحوثي – زعيم الجماعة – إلى الشك في مسؤولين آخرين واعتبارهم مصدرًا محتملاً للتسريب. فُرضت عليهم رقابة لصيقة، ومُنِع بعضهم من التحرك، ووُضعت حراسات على منازلهم لمنع الدخول والخروج، بذريعة الخشية من الاستهداف، بينما ترى القيادة أن هناك أطرافًا من خارج الجماعة تزود الولايات المتحدة وإسرائيل بمعلومات عن مخازن الأسلحة وتحركات القيادات المقربة من عبدالملك الحوثي.
هذه الأزمة لم تستطع وفود النظام الإيراني في صنعاء معالجتها، وفشلت عناصر الحرس الثوري التي أُرسلت إلى العاصمة اليمنية في ملء الفراغ الاستراتيجي، مما يعكس ارتباكًا داخليًا في طهران نفسها.
حالة الارتباك والشك في صفوف الحوثيين هي امتداد طبيعي للارتباك داخل إيران، وتبدو مهمة شهلاي قد فشلت قبل أن تبدأ. فالرجل الذي تطارده الولايات المتحدة بمكافأة قدرها 15 مليون دولار كان يُفترض أن يدفع الحوثيين إلى “التعاون أكثر من قبل”، باعتبارهم الجماعة الوحيدة التي لا تزال ترفع راية طهران بوضوح نسبي.
وانهيار ولاء الحوثيين ليس مجرد مشكلة تشغيلية، بل ضربة تمسّ صميم هوية النظام الإيراني، الذي صوّر نفسه لعقود كحارس للقضية الفلسطينية ومهندس لجبهة مقاومة إقليمية موحدة. غير أنه لم يشارك في محادثات وقف إطلاق النار في غزة بشرم الشيخ، مدركًا تقلص نفوذه بشكل حاد، بينما يظهر حتى الحوثيون – الذين يرفعون شعار الدفاع عن الفلسطينيين – بثقة أقل بكثير في طهران.
وتعود جذور الشرخ إلى إبريل/نيسان الماضي، حين رفضت إيران مساعدة الحوثيين خلال الهجمات الأميركية المكثفة على اليمن، خوفًا من الانجرار إلى مواجهة مباشرة. هذا التردد أضعف مصداقية طهران وسرّع من استقلال الجماعة. واليوم تسيطر الجماعة على صنعاء، وتطبع عملتها الخاصة، وتجمع الضرائب، وتحوّل المساعدات الدولية، وتتاجر بالمخدرات، وتبيع السلاح لجماعات متطرفة في أفريقيا، وتعرقل الملاحة في البحر الأحمر. وميزتهم الجغرافية – استخدام جبال اليمن لإخفاء الصواريخ والطائرات المسيّرة – تقلل من حاجتهم إلى الإشراف الإيراني. وهم لا يحتاجون إلى من يحفزهم على تنفيذ هجمات إرهابية، فقد نجحوا خلال الأعوام الثلاثة الماضية في بناء تحالفات مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي امتلك للمرة الأولى طائرات مسيّرة ومتفجرات "إيرانية الصنع".
ويأتي فقدان السيطرة على الحوثيين بعد سلسلة طويلة من الضربات التي طالت شبكة النفوذ الإيراني، فقيادة حزب الله تضررت بشدة بعد اغتيال إسرائيل لقادة رئيسيين، بما في ذلك حسن نصرالله الذي كان يُعَدّ مستشارًا رئيسيًا لعبدالملك الحوثي. كما انقطعت قنوات طهران مع حركة حماس بعد عزلها في غزة، فيما تتصرف ميليشيات عدة في العراق بشكل مستقل وتتجاهل أوامر طهران بوقف النشاطات العسكرية لخفض التوتر.
هذه التطورات تكشف عن تقلص الوجود الإقليمي لنظام اعتمد طويلًا على حرب الوكلاء. وتعتمد طهران الآن على جماعات قليلة متبقية تُظهر ولاءً ظاهريًا، لكنها هي الأخرى تتفكك.
وتتعارض محاولات النظام لتهدئة التوتر مع دول الخليج، خاصة السعودية، مع رغبة الحوثيين في استعراض القوة العسكرية، ما يترك طهران محاصرة بين ضرورات الجغرافيا السياسية وطموحات وكيل لم تعد تسيطر عليه. كما أن اغتيال نصرالله أزال مستشارًا رئيسيًا للحوثيين، وفشلت شبكات إيران وحزب الله في ملء الفراغ، مما يضعف تماسك الشبكة أكثر.
الأزمة اليوم داخل شبكة الوكلاء تمثل أكثر من تحدٍ تكتيكي، إنها إشارة إلى ضعف جوهري في بنية النظام الإيراني، الذي اعتمد على ميليشيات تعمل بتناغم تحت إرشاده لتوسيع نفوذه الإقليمي دون الدخول في مواجهة مباشرة. أما استقلال الحوثيين المتزايد – وقدرتهم على الصمود عسكريًا – فيكشف عن انهيار استراتيجية لطالما اعتُبرت حجر الأساس في مشروع طهران الإقليمي.
ويسعى الحوثيون للهروب من أزماتهم الداخلية عبر افتعال توترات جديدة ودعم جماعات مسلحة في محافظات الجنوب الشرقي، كالمَهرة وحضرموت. ويشكّل هذا السلوك جرس إنذار بأن إيران تفقد تفاهمات إقليمية مهمة، من بينها الاتفاق الذي وقعته مع السعودية في الصين في مارس/آذار 2023.
وإذا استمر الحوثيون في دعم جماعات مسلحة متطرفة في جنوب اليمن، فإن ذلك يعني عودة العنف وربما هزيمتهم، وخروج إيران من اليمن دون مكاسب تُذكر، فخيار اليمنيين اليوم بات واضحًا: إخراج الحوثيين نهائيًا من المشهد السياسي والعسكري.
وتدرك طهران أن تمرد الجماعة يعني نهايتها الوشيكة أو عودتها القسرية إلى الطاعة، وقد تحاول الحفاظ عليهم عبر تفاهمات أو اتفاقيات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة بقاءهم على المدى الطويل، في ظل تصاعد الرغبة اليمنية في إزاحة الجماعة والعودة إلى النظام الجمهوري.
المصدر| middle-east-online


