ملف إيران..

احتجاجات طلابية واسعة تتحدى السلطة وتعيد الانتفاضة إلى الشوارع بإيران

"عودة الاحتجاجات إلى الجامعات تكشف أن الصراع داخل إيران لم يعد مجرد موجات غضب متقطعة، بل مساراً متراكماً تتداخل فيه الذاكرة الرمزية للضحايا مع رفض سياسي متصاعد، ما يعكس فجوة عميقة بين جيل الشباب وبنية الحكم القائمة"

محرر الشؤون الإيرانية
محرر الشؤون الإيرانية وبيانات المعارضة الإيرانية.

تحولت الجامعات الإيرانية، مع أول يوم لإعادة فتحها، إلى ساحات توتر سياسي وأمني بعد خروج تجمعات طلابية واسعة تزامناً مع أربعينية قتلى الاحتجاجات الأخيرة. طلاب جامعة شريف الصناعية رفعوا شعارات حادة ضد السلطة منذ ساعات الصباح الأولى، في مشهد يعكس عودة الحراك الطلابي إلى واجهة المشهد بعد فترة من الانكماش النسبي. الحرم الجامعي بدا كمساحة صراع رمزي بين جيل يسعى لتغيير الواقع السياسي وقوى أمنية تحاول إعادة فرض السيطرة.

المشهد لم يقتصر على جامعة واحدة، إذ امتدت الاحتجاجات إلى جامعة أمير كبير الصناعية، حيث ردد الطلاب هتافات تؤكد أن مطالبهم لم تعد جزئية أو إصلاحية بل تتجه نحو تحدي بنية النظام بأكملها. تزامن هذه التحركات مع إحياء ذكرى ضحايا الاحتجاجات منح المظاهرات بُعداً عاطفياً وسياسياً مضاعفاً، وجعل الجامعات نقطة تجمع لخطاب احتجاجي أكثر حدة من السابق.

التقارير الواردة تشير إلى احتكاكات مباشرة بين الطلاب وعناصر من الباسيج داخل بعض الحرم الجامعية، وهو تطور يعكس ارتفاع مستوى التوتر الميداني. الاشتباكات اللفظية والهتافات المتبادلة أظهرت انقساماً واضحاً في الشارع الإيراني، حيث تتداخل شعارات ذات طابع جمهوري مع أخرى ذات نزعة ملكية، ما يكشف عن تعددية متزايدة في سرديات المعارضة نفسها.

في المدن الأخرى، خرجت تجمعات شعبية متزامنة مع الاحتجاجات الطلابية، من بينها تحركات في آبدانان احتجاجاً على اعتقالات طالت شباباً ومعلمين. انتشار الشعارات في عدة مدن، من طهران إلى شيراز وأصفهان ومشهد، يعكس أن الزخم لم يعد محصوراً في العاصمة بل بات ظاهرة جغرافية أوسع، حتى وإن ظلت وتيرته متفاوتة من مدينة إلى أخرى.

اللافت في هذه الجولة من الاحتجاجات هو الحضور الرمزي لعائلات الضحايا، حيث تحولت مراسم الأربعينية إلى فضاءات تعبير سياسي. خطابات الأمهات عند مزارات القتلى منحت الحراك بعداً إنسانياً يعزز سردية التضحية ويعيد إحياء الذاكرة الجماعية للانتفاضة، وهو عنصر غالباً ما يشكل وقوداً لاستمرار الحركات الاحتجاجية في المدى الطويل.

سياسياً، تعكس هذه التطورات تحدياً مزدوجاً أمام السلطات الإيرانية: فمن جهة تسعى لإعادة فرض الانضباط داخل الجامعات باعتبارها مركزاً تقليدياً للحراك، ومن جهة أخرى تحاول منع تحول الاحتجاجات إلى موجة وطنية واسعة. وبين محاولات الاحتواء الأمني واستمرار الخطاب الاحتجاجي، تبدو الجامعات مرة أخرى مرآة تعكس عمق الأزمة بين جيل الشباب ومؤسسات الحكم، في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.