تصعيد قانوني متبادل..

إيران توسّع ساحة الاشتباك السياسي بإدراج القوات الأوروبية إرهابية

"الخطوة الإيرانية تعكس انتقال المواجهة مع أوروبا من نطاق التصريحات السياسية إلى مستوى إعادة تعريف الخصوم قانونياً وأمنياً، ما يفتح الباب أمام مرحلة توتر أوسع قد تتجاوز الملف النووي وتمتد إلى الترتيبات العسكرية والبحرية في المنطقة"

الحرس الثوري يشعل مواجهة أوروبية

طهران

في تصعيد غير مسبوق في مسار العلاقة المتوترة بين طهران والعواصم الأوروبية، أعلنت إيران تصنيف القوات البحرية والجوية التابعة لجميع دول الاتحاد الأوروبي كمنظمات إرهابية، في خطوة جاءت رداً مباشراً على قرار أوروبي بإدراج الحرس الثوري الإيراني ضمن قوائم الإرهاب. القرار الإيراني لا يقتصر على كونه إجراءً رمزياً، بل يحمل أبعاداً سياسية وقانونية تعكس تحول المواجهة إلى مستوى أكثر حدّة، حيث باتت أدوات التصنيف المتبادل جزءاً من لعبة الضغط الاستراتيجي بين الطرفين.

البيان الصادر عن وزارة الخارجية الإيرانية استند إلى قانون محلي أُقر عام 2019 عقب الخطوة الأمريكية بتصنيف الحرس الثوري، ما يشير إلى أن طهران تحاول تقديم ردها ضمن إطار قانوني داخلي يمنحه غطاءً سيادياً، حتى وإن كان تأثيره العملي على الأرض محدوداً. استخدام مبدأ «المعاملة بالمثل» يعكس محاولة إظهار أن إيران لا تتعامل مع القرارات الأوروبية باعتبارها مجرد مواقف سياسية، بل كإجراءات عدائية تستوجب ردوداً متوازية.

الخطوة الأوروبية التي سبقت هذا الإعلان جاءت بعد سنوات من التردد، إذ كان الاتحاد الأوروبي يحاول الحفاظ على مساحة دبلوماسية مفتوحة مع إيران، خاصة في ظل مفاوضات الملف النووي. لكن تصاعد الضغوط الداخلية في أوروبا، على خلفية قمع الاحتجاجات داخل إيران والدور الإقليمي للحرس الثوري، دفع بروكسل نحو تبني موقف أكثر تشدداً. تصريحات مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية بأن القرار يمثل «خطوة حاسمة» تكشف أن الاتحاد لم يعد يرى الحرس الثوري مجرد فاعل عسكري داخلي، بل لاعباً يؤثر في أمن القارة الأوروبية ومحيطها.

رد طهران بتصنيف قوات أوروبية يطرح تساؤلات حول تداعيات هذه الخطوة على قواعد الاشتباك غير المباشر في البحر الأحمر والخليج والبحر المتوسط. ورغم أن التصنيف الإيراني قد لا يغيّر واقع العمليات العسكرية الأوروبية، فإنه يضيف طبقة جديدة من التوتر القانوني قد تستخدمها طهران لتبرير تحركاتها أو خطابها السياسي في حال وقوع احتكاكات مستقبلية.

سياسياً، تبدو الخطوة جزءاً من استراتيجية إيرانية أوسع تقوم على رفع سقف الردود لتأكيد أنها لن تقبل بعزل الحرس الثوري دولياً دون رد مماثل. لكن هذا التصعيد يحمل أيضاً مخاطرة بزيادة عزلة إيران داخل المنظومة الغربية، خصوصاً إذا استُخدم كذريعة لفرض عقوبات إضافية أو لتعزيز التنسيق الأمني بين أوروبا والولايات المتحدة.

في المقابل، يدرك الاتحاد الأوروبي أن الانتقال إلى مرحلة التصنيفات المتبادلة قد يعقّد أي مسار تفاوضي مستقبلي، سواء في الملف النووي أو في قضايا الأمن الإقليمي. ومع ذلك، يبدو أن المزاج السياسي الأوروبي يتجه نحو نهج أكثر صرامة، مدفوعاً بضغوط داخلية ورغبة في إظهار موقف موحد تجاه السياسات الإيرانية.

اللافت أن هذا التصعيد يأتي في توقيت إقليمي حساس، حيث تتقاطع التوترات العسكرية مع محاولات إعادة إحياء المسار الدبلوماسي بين طهران وواشنطن. إدخال أوروبا في معادلة التصعيد القانوني قد يعكس محاولة إيرانية لتوسيع دائرة الضغط، أو لإرسال رسالة مفادها أن أي تحالفات غربية ضدها ستواجه بردود متدرجة.

في المحصلة، لا تبدو هذه الخطوة مجرد رد فعل آني، بل جزءاً من إعادة رسم خطوط الاشتباك السياسي بين إيران والغرب. وبين تصنيفات الإرهاب المتبادلة وخطاب التصعيد المتصاعد، تتجه العلاقة الإيرانية الأوروبية نحو مرحلة أكثر برودة وتعقيداً، حيث تصبح اللغة القانونية أداة مواجهة لا تقل تأثيراً عن التحركات العسكرية أو العقوبات الاقتصادية.