بحوث ودراسات

"الرياض بين الرغبة في الهيمنة والحاجة للسلام والاستقرار"..

تحليل: السعودية واليمن والجنوب.. اتفاق الرياض وسيلة سلام معقولة

الوقت الخميس 20 يناير 2022 5:04 م
تحليل: السعودية واليمن والجنوب.. اتفاق الرياض وسيلة سلام معقولة

اليوم الثامن الزعيم القبلي صالح الرشيد يزور جرحى القوات المسلجة الجنوبية في محافظة شبوة - صحيفة اليوم الثامن

مثّل الانخراط الوثيق في اليمن إحدى ثوابت السياسة الخارجية السعودية منذ تأسيس الدولة السعودية المعاصرة عام 1932.

شكلت السياسة السعودية تجاه اليمن أربعة عوامل أساسية: سياسة اليمن الداخلية والخارجية، والتطورات الإقليمية والدولية، وطبيعة النظام السعودي وآلية صنع القرار، والعواقب السياسية والأمنية نظرًا لطول الحدود المشتركة بين البلدين. شهدت السعودية ثلاثة أحداث سياسية كبرى في جنوبها: ثورة عام 1962 في اليمن الشمالي، صعود النظام الاشتراكي في اليمن الجنوبي عام 1967، الوحدة بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي عام 1990.

وظفت الرياض مجموعة من أدوات القوة الناعمة التي تشمل شبكة تحالفات محلية، وتوفير المساعدات الاقتصادية ونشر الأيديولوجيا السنية الإسلامية -السلفية الوهابية – لتعظيم نفوذها السياسي في فترات الاستقرار وخوض حروب بالوكالة في فترات الصراع. قبل اندلاع النزاع الحالي، اقتصر التدخل السعودي العسكري المباشر على حماية مناطقها الحدودية، مثل ما حدث خلال الحرب مع الحكومة اليسارية بعدن عام 1969 والحرب مع جماعة الحوثيين المسلحة عام 2009.

 

لطالما كان سلوك السعودية مدفوعًا بخوفها من وجود دولة قوية معادية على حدودها. لكن الآن، بعد أكثر من ثلاثة عقود على إعلان الجمهورية اليمنية الموحدة، تخشى السعودية العكس، أن يظل اليمن دولة ضعيفة وفاشلة. حين تولى الملك سلمان زمام السلطة عام 2015، شن عملية “عاصفة الحزم”، وكان الهدف المعلن هو إنهاء سيطرة الحوثيين على السلطة وإعادة الحكومة المعترف بها دوليًّا إلى السلطة في صنعاء. غير أن واقع الديناميكيات المحلية والجيوسياسية الإقليمية -منها ضعف الحكومة الشرعية، وبروز المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بدولة جنوبية مستقلة، والخلافات بين السعودية والإمارات، شريكتها الرئيسية في التحالف، والضغوط الأميركية لإنهاء الحرب، والأزمة الإنسانية، وصعوبة الحسم العسكري في مواجهة الحوثيين -أحبط هذه الآمال. بالتالي، ركزت السياسة السعودية على ثلاثة أهداف خلال العامين الماضيين: تعزيز مكانتها المهيمنة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا في جنوب اليمن، واحتواء التهديد الأمني الناجم عن جماعة الحوثيين، وصياغة تسوية سياسية تسمح للرياض بالبقاء كلاعب محوري في الساحة اليمنية، ودعم حلفائها للمساهمة في إنهاء الحرب بشكل يناسب المصالح السعودية.

 

ومنذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بالحديدة في ديسمبر/كانون الأول 2018، أصبحت محافظات الجنوب مسرح عمليات ديناميكي للسعوديين حيث كثفت الرياض انتشارها العسكري من المهرة، الواقعة شرقي عدن والمجاورة لعُمان، وصولًا إلى العاصمة الجنوبية.

 ترافق هذا النشاط العسكري مع تجدد الجهود الدبلوماسية التي تُوِّجت بتوقيع اتفاق الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بين المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بدولة جنوبية مستقلة والحكومة بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي.

لم يكن المسار سهلًا للسعودية لترسيخ نفوذ سياسي جنوب اليمن، إذ اصطدمت سياستها المتمثلة في دعم هادي كقائد شرعي لليمن بقضايا مرتبطة بالسياسة الجنوبية مثل الدعوات لفك الارتباط والإصلاح السياسي. وبالتالي اضطرت الرياض لإشراك مجموعة من الفاعلين المحليين داخل اليمن وتكييف نهجها نحو الفاعلين الإقليميين، مثل الإمارات.

 ورغم أن هذا النهج نجح في تحقيق استقرار نسبي لفترة في محافظات الجنوب، يبدو الآن غير ناجع في تحقيق النجاحات للسعودية والسماح لها بتوجيه الأحداث بما يتوافق مع مصالحها.

 

 

الدور السعودي في الجنوب 

 

 يقدم المحور الأول موجزًا تاريخيًّا لتطور السياسة السعودية تجاه جنوب اليمن منذ استقلاله عام 1967 وحتى استيلاء جماعة الحوثيين على صنعاء عام 2014.

يحلل المحور الثاني ديناميكيات الدور السعودي الراهن في الجنوب انطلاقًا من عملية عاصفة الحزم وصولًا إلى اتفاق الرياض. يتناول المحور الثالث معضلة السلام في اليمن ومستقبل جهود الوساطة السعودية المتعثرة في الجنوب وسبل توجيه الدور السعودي الإيجابي، الذي يحقق توازنًا، نحو إنهاء النزاع وإجراء إصلاح سياسي مستدام.

 

 

 

لمحة تاريخية

نزاع على الحدود ومعركة أيديولوجية تقليديًّا، استمدت الحركة الوطنية ضد الحكم الاستعماري في جنوب اليمن جزءًا كبيرًا من شرعيتها الثورية انطلاقًا من موقفها المعادي للسعودية الذي نشأ نتيجة النزاع على الحدود خلال الحقبة الاستعمارية، إذ رفضت الرياض الاعتراف بادعاءات اليمن الجنوبي بسيادته على منطقتي شرورة والوديعة. تطور النزاع مع اندلاع معارك بين السعودية واليمن الجنوبي عام 1969، فشلت القوات الجنوبية في استعادة الأراضي المتنازع عليها.

 وبعدها، غيّر الجناح اليساري للجبهة القومية الذي استولى على مقاليد الحكم في عدن عام 1969، اسم البلاد عام 1970 إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ووضع برنامجًا اشتراكيًّا للتغيير الثوري.

 خلال الحروب بالوكالة التي تلت ذلك، دعمت السعودية المجموعات الجنوبية المعارضة للنظام الاشتراكي وأمّنت السلاح لبعضها.

كما عززت قوة الحكومة في اليمن الشمالي وأمّنت الحماية من الجنوب الراديكالي. في المقابل، دعم نظام عدن حركات اليسار الثوري في اليمن الشمالي وبعض دول الخليج وعمّق تحالفه مع الاتحاد السوفيتي. ظل النفوذ السوفيتي في الجنوب، الذي يشمل باب المندب، محط قلق دائم بالنسبة للرياض وحليفتها واشنطن.

 

كان لسياسة الرياض نتائج متفاوتة. في اليمن الشمالي، عقب انسحاب القوات المصرية الداعمة لحكومة الجمهورية عام 1967، تحولت السعودية إلى داعم لتلك الحكومة، غير أن اليمن الشمالي عانى طويلًا من اضطرابات سياسية واجتماعية حادة بعد انتهاء الحرب الأهلية (1962-1970).

حاول بعض القادة الشماليين بين الفينة والأخرى الابتعاد عن الرياض عبر التقارب مع عدن أو الانفتاح على الاتحاد السوفيتي.

 ضمن هذا السياق، رأت السعودية أن التيارات الإسلامية وشيوخ القبائل أطراف مهمة لضمان الاستقرار وحماية مصالحها.

 بالنسبة لليمن الجنوبي، فعانى نتيجة أزماته السياسية، وأبرزها الحرب الأهلية في يناير/كانون الثاني 1986 ونتيجة انهيار الاتحاد السوفيتي. غير أن الأحداث أخذت منحى لم تتوقعه السعودية عام 1990 عندما أعلن كل من نظامي صنعاء وعدن توحيد البلدين وولادة الجمهورية اليمنية.

اعتبرت السعودية هذه الوحدة تهديدًا لعدة أسباب. من الناحية الأيديولوجية، شكل النموذج الديمقراطي الذي رافق إعلان الوحدة تهديدًا على الأنظمة الملكية الخليجية. ومن الناحية الاستراتيجية، قلب إعلان الوحدة توازن القوى في الجزيرة العربية الذي كان قد منح الرياض موقع الهيمنة، إذ أصبح اليمن جارًا قويًّا بين ليلة وضحاها بعد اكتشاف النفط، واحتمال دمج جيشي اليمن الشمال والجنوب، وزيادة عدد السكان الذي يوازي تعداده تقريبًا تعداد سكان السعودية، واتساع الرقعة الجغرافية في مواقع استراتيجية تقع جميعها نظريًّا لسلطة سياسية واحدة.

 كما أثارت الوحدة احتمال تجدد النزاع على الحدود مع السعودية نظرًا لأن الدولة اليمنية باتت تملك موقفًا تفاوضيًّا أفضل وقد تثير موضوع الحدود مع السعودية مجددًا. رفضت عدن عام 1989 عرضًا سعوديًّا بتقديم مساعدات مالية مقابل حل قضية الحدود، وفضلت التمسك بنهج الوحدة لأسباب أيديولوجية واستراتيجية.

 وبعد عام 1990، رسمت الجمهورية اليمنية حدودها الشرقية مع سلطنة عُمان، ولكن تعذر حل القضية المتعلقة بالحدود الشمالية.

 

اجتياح الكويت ومحاولة فك ارتباط الجنوب

 

ظل التوجس السعودي يتنامى تجاه النظام الجديد في صنعاء. وبعد مرور عام على الوحدة، تحول هذا التوجس إلى سياسة عداء صريح نتيجة دعم اليمن لصدام حسين خلال حرب الخليج. في هذه الأثناء، وفي ظل الاستقطاب الحاد الذي أعقب الوحدة، بدأت الرياض في استكشاف فرص التعاون مع القيادات الجنوبية التي كانت تقاوم محاولات الرئيس علي عبدالله صالح لتحويلهم إلى مجرد شركاء صغار في الحكم.

 تحالفت القاهرة ومعظم دول الخليج مع الرياض بالسعي لإصدار قرار من الأمم المتحدة لمنع قوات الرئيس صالح من مهاجمة عدن خلال الحرب الأهلية عام 1994.

ودعمت السعودية الجماعات الجنوبية المناهضة للوحدة، مثل الجبهة الوطنية للمعارضة التي حاولت ضم القياديين الجنوبيين الذين فروا إلى الخارج، وحركة تقرير المصير (حتم) المسلحة بقيادة القائد العسكري عيدروس الزُبيدي (الرئيس الحالي للمجلس الانتقالي الجنوبي) والمدعومة من علي سالم البيض، آخر رئيس لليمن الجنوبي الذي غادرمن البلاد بعد هزيمة القوات الجنوبية عام 1994.

 

 

استمرت المناوشات الحدودية بين السعودية واليمن حتى عام 2000 عندما تم التوصل إلى اتفاق رسمي لترسيم الحدود البرية والبحرية. بددت معاهدة جدة، أبرز المخاوف السعودية من جارتها الجنوبية، وأحدثت تغييرًا جوهريًّا في سياستها الخارجية. أصبحت الرياض أكثر ميلًا إلى دعم الوضع القائم ومؤسسات الدولة تحت نظام الرئيس صالح.

دفعت الرياض شبكة حلفائها في الجنوب واليمن الشمالي لدعم ترشيح صالح للانتخابات الرئاسية عام 2006. أما في الجنوب، فشهد التوتر السياسي والمعارضة هدوءًا مؤقتًا بعد أن أعلنت حركة حتم حل نفسها عام 2002.

 

تآكل نظام الوحدة، وصعود الفاعلين من غير الدول

 

 

خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ركز السعوديون على مواجهة التهديدات الأمنية في اليمن الناجمة عن نشاط الجماعات المتطرفة، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة الذي تمكن من توجيه ودعم فرعه السعودي عبر ملاذاته الآمنة جنوب وشرق اليمن. أعلن الفرعان اندماجهما عام 2009 تحت مسمى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وفي العام نفسه، كاد التنظيم أن ينجح في اغتيال الأمير السعودي محمد بن نايف، مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية آنذاك، والذي كان قد حظي بإشادة واشنطن بصفته العقل المدبر لحملة المملكة لمكافحة الإرهاب ضد القاعدة. خلال الفترة نفسها، ظهرت جماعة الحوثيين كقوة لا يستهان بها في الشمال حيث اكتسبت قوة عسكرية عبر سلسلة الحروب الستة التي خاضتها ضد الحكومة اليمنية، وعام 2009 اتسعت رقعة الحرب الأخيرة بين الطرفين لتشمل الداخل السعودي، واتهم الحوثيون الرياض بدعم القوات الحكومية.

 

ورغم أن اليمن الموحد لم يعد يمثل تهديدًا استراتيجيًّا للرياض، إلا أنه ظل حليفًا لا يمكن الوثوق به كليًّا. وبحسب برقية دبلوماسية أمريكية تعود لشهر فبراير/شباط 2009 نشرها موقع ويكيليكس، قال الملك عبدالله: “ندعم الوحدة اليمنية لكننا لا نثق بصالح”.

 يرتبط هذا الارتياب من صالح بنزاهته وقدرته على الحكم. ومع صعود الحراك الجنوبي المطالب بالاستقلال عام 2007، بدأت السعودية تفكر في تنويع تحالفاتها السياسية، حدث ذلك في الوقت الذي بدأ حلفاء الرياض الجنوبيون بالابتعاد تدريجيًّا عن الرئيس صالح والانحياز إلى خطاب الحراك الجنوبي المطالب بالإصلاح ولاحقًا المطالب بالانفصال.

منذ عام 2009، أصبح بعض الشخصيات الجنوبية السلفية من الأصوات في الحراك.

 ونتيجة لذلك، استمرت الرياض بدعم حلفائها المحافظين، القبائل والإسلاميين في الجنوب، لكن بوتيرة أخف مما كانت عليه.

 

ساهمت هذه الاستراتيجية ذات الشقين، التي دعمت مؤسسات الدولة والقوى المعادية للدولة في آن واحد، بتعميق التصور بأن اليمن دولة فاشلة، كما أظهرت كيف أصبحت سياسة السعودية تجاه اليمن متشرذمة بشكل متزايد -الواقع الذي بدا بشكل واضح خلال احتجاجات الربيع العربي. جزء من هذا التشرذم عاد إلى التنافس بين الملك عبدالله، الذي كان قريبًا من الرئيس صالح، وولي العهد الأمير سلطان الذي أدار شبكة المحسوبية السعودية الواسعة في اليمن، وشملت شيوخ قبائل في مناطق مختلفة وحزب الإصلاح الإسلامي.

عام 2011، واجهت السعودية تهديد موجة الثورات عبر المنطقة، بما فيها اليمن حيث ازداد نفوذ الفاعلين من غير الدول مثل الحراك الجنوبي وجماعة الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

تُوفي الأمير سلطان عام 2011 ووزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز 2012، الشخصيتان البارزتان سياسيًّا والمعروفتان بإخلاصهما لعملهما، الأمر الذي أثر على خطوط اتصال الرياض مع حلفائها اليمنيين المحليين بمن فيهم الرئيس صالح. سيطر تنظيم القاعدة على مناطق واسعة في المحافظات الجنوبية الشرقية. وحينها، أسست إيران، العدو اللدود للسعودية، علاقات مع الحراك الجنوبي والفصائل الأكثر راديكالية بقيادة البيض.

 بدأت فصائل جنوبية مسلحة بالسيطرة على المناطق الريفية الوعرة في المحافظات الجنوبية الغربية، بينما أعلنت حركة حتم استئناف مهامها القتالية عام 2011.

ومع تشكيل الحكومة بقيادة الإخوان المسلمين في مصر عام 2012، ركزت السعودية اهتمامها على مواجهتهم في المنطقة ومواجهة المحور التركي-القطري الداعم لهم، ولكن هذا أدى إلى إضعاف علاقات السعودية مع الحلفاء اليمنيين، مثل حزب الإصلاح والجنرال علي محسن الأحمر، حيث نجحت قطر في تأسيس روابط تحالف معهم. أما الحوثيون، فنجحوا في الاستفادة من هذه التصدعات البارزة في هيكل السلطة المرتبط بالسعودية بهدف بسط نفوذهم في جميع أنحاء المحافظات الشمالية.

 

 

استيلاء الحوثيين على صنعاء

بعد صدمة السعودية باستيلاء الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، وضعت الرياض خلافاتها مع اللاعبين المحليين المختلفين (الحراك الجنوبي، الإصلاح، علي محسن) على جنب لكي توجه جهودها نحو تعزيز شرعية حكومة الرئيس هادي، الذي خلف صالح، ومواجهة التمدد الحوثي. وبما أن الجنوب كان خارج دائرة نفوذ الحوثيين، فاكتسب أهمية استراتيجية بالنسبة للسعودية كونه منطقة يمكن حشدها ضد الحوثيين. ساعدت المخابرات السعودية في تهريب الرئيس هادي، الذي كان تحت الإقامة الجبرية في صنعاء، إلى عدن وقدمت لحكومته الدعم المالي والسياسي، ولكن مع تقدم الحوثيين نحو الجنوب، اضطر هادي إلى الهرب لسلطنة عُمان، كما فعل البيض عام 1994. ولكن السعوديين ظلوا عاملًا حاسمًا في النزاع المتكشف. لعب السعوديون دورًا رئيسيًّا في إصدار قرار أممي يدين هجوم الحوثيين على عدن والجنوب، كما حشدوا حلفائهم العرب لكي يخوضوا حربًا ضد الحوثيين وضد شريكهم الرئيس السابق علي عبدالله صالح، الذي فاجأ الجميع بتحالفه مع الحوثيين (في نهاية المطاف، قُتل صالح خلال اشتباكات مع الحوثيين عام 2017 بعد انهيار التحالف بينهما).

أجبرت جميع هذه الظروف التي أوصلت الحوثيين إلى السلطة الرياض على إعادة التفكير بشكل كبير في أهدافها وسلوكها في اليمن.

 

استقبال هادي والمعركة على الجنوب 

دفعت ثلاثة عوامل بالسعودية لاتخاذ قرارها بالتدخل عسكريًّا في اليمن أوائل عام 2015: تقدم الحوثيين نحو محافظات جنوب اليمن وتجاوز جميع الخطوط الحمراء؛ توتر العلاقات الأمريكية-السعودية بشدة بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران الذي جعل القيادة السعودية تشعر بأن عليها التصرف وحدها لحماية مصالحها الحيوية؛ ووفاة الملك عبدالله أوائل عام 2015 وانتقال الحكم إلى الملك سلمان ونجله المفضل الأمير محمد بن سلمان الذي كان قد عُيِّن وزيرًا للدفاع.

كانت الاستراتيجية السعودية تتمثل في استعادة عدن والمحافظات الجنوبية بالتعاون مع الإمارات، حليفتها الرئيسية في الحرب والتي نشرت قوات على الأرض في الجنوب. تواصلت الرياض مع قياديين بارزين من دولة اليمن الجنوبي السابقة، من بينهم الرئيس السابق علي سالم البيض، ورئيس الوزراء السابق حيدر أبوبكر العطاس، والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي ياسين سعيد نعمان، بهدف حشد تأييدهم لعملية عاصفة الحزم.

أما على الأرض، برزت جماعتان سياسيتان أساسيتان للرد العسكري، السلفيون والحراك الجنوبي. كانت الرياض مستعدة للانخراط مع الانفصاليين كخطوة تكتيكية، وافترضت أن من الممكن إدارة مطالب الانفصاليين -وتحديدًا خطة تقسيم اليمن اتحاديًّا إلى ستة أقاليم والتي تم التوصل إليها قبل سقوط صنعاء -عبر اتفاقات تقاسم السلطة، كما توقعت أن الجنوبيين سيظلون خارج دائرة نفوذ إيران وسيركزون طاقتهم على التصدي للتمدد الحوثي. غير أن استراتيجية الحراك الجنوبي كانت استغلال الوجود الإماراتي العسكري لخدمة أهدافه.

 

تباعد الأهداف السعودية والإماراتية

 

نهاية عام 2015، ضغطت الرياض على الرئيس هادي ليشمل عددًا من القيادات الجنوبية المتحالفة مع أبوظبي في حكومته. كان في مقدمتهم عيدروس الزُبيدي، الذي عُيِّن محافظًا لعدن، وشلال شائع الذي عُيِّن مديرًا لأمن عدن، وهاني بن بريك، الذي عُيِّن وزيرًا للدولة. في الوقت نفسه، ضغطت السعودية على البيض لكي يتوقف عن تبني الخطاب الانفصالي والأنشطة الانفصالية -رسالة عززتها السعودية حين قصف طيران التحالف معسكر العر في يافع بمحافظة لحج في مارس/آذار 2016 إذ كان يُعتقد أن انفصاليين كانوا يدربون عناصر غير نظامية.

 

 

بعد نجاحاتها الأولية في دحر قوات الحوثيين من جنوب اليمن، وضعت الرياض، التي كانت تريد منع أي تغييرات سياسية جذرية في اليمن، خطة من ثلاثة محاور: نقل السلطة من الرئيس هادي إلى نائبه خالد بحاح كونه شخصية مقبولة من جميع الأطراف، وتشكيل حكومة جديدة استنادًا إلى محادثات السلام في الكويت، وخفض مستوى التصعيد مع الحوثيين عبر ترتيبات عسكرية ضمن إطار الاتفاقات التي تم التوصل إليها في محافظة ظهران الجنوب السعودية.

 

 

هذا النهج السعودي، الذي تماشى مع البيئة الدولية والإقليمية المتغيرة (مثل عقيدة أوباما، والاتفاق النووي) عانى من سوء الإدارة السياسية. أولًا، كان هناك تنافس شخصي حاد بين ولي العهد آنذاك محمد بن نايف، ووزير الدفاع وولي ولي العهد محمد بن سلمان، برز في الخلافات حول الحرب باليمن. وثانيًا، اتسم البيروقراطيون السعوديون الذين يديرون الملف اليمني بعقلية تقليدية لا تأخذ بعين الاعتبار متطلبات السياسة السعودية الجديدة والواقع اليمني الجديد. أحسن الرئيس هادي وحلفاؤه بحزب الإصلاح في استغلال هذه التناقضات السعودية لكي يعززوا مواقعهم في الحكومة الشرعية وعرقلة الخطط السعودية. في أبريل/نيسان 2016، أقال هادي بحاح من منصبه وعيّن شخصيتين تعرفهما السعودية جيدًا: علي محسن الأحمر كنائب له، وأحمد عبيد بن دغر كرئيس للوزراء. ضرب هادي عصفورين بحجر: أوقف مسار الانتقال السياسي المدفوع دوليًّا والذي يستثنيه، وقوّض النفوذ الإماراتي المتنامي في الجنوب لاسيما بعد تحرير مدينة المكلا بقيادة أبوظبي من سيطرة تنظيم القاعدة. وبداية عام 2017، تبنى هادي النهج نفسه وأقال قيادات جنوبية أخرى متحالفة مع الإمارات.

 

ردت الإمارات بدعم إنشاء المجلس الانتقالي الجنوبي، المطالب بدولة جنوبية مستقلة، الذي يتزعمه عيدروس الزُبيدي والذي أقاله هادي من منصبه كمحافظ عدن، عام 2017. بدا أن تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي يتجاوز الخطوط الحمراء السعودية. وفي حين رفضت السعودية الاعتراف بالمجلس، إلا أن محمد بن سلمان أحجم عن تبني أي ممارسات عدائية ضده بهدف تجنيب العلاقة السعودية-الإماراتية أي تصدعات علنية.  فضلًا عن أن القيادة السعودية كانت منشغلة منتصف عام 2017 بالأزمة الدبلوماسية الخليجية مع قطر وترتيبات استبدال ابن نايف بمحمد بن سلمان كولي للعهد.

 

أدى هذا التغيير في هيكل القوة السعودية إلى سياسة أكثر تشددًا تجاه اليمن -سياسة تميل أكثر نحو المواجهة والرغبة في فرض الأهداف السعودية باليمن. من جهة بدأت الرياض بنشر قواتها العسكرية في المهرة وأجزاء من محافظة حضرموت، المجاورتين جغرافيًّا للسعودية، ومن جهة أخرى، بدأ القادة العسكريون السعوديون بدراسة الخطط لتأسيس قواعد عسكرية دائمة في عدن وتعز وشبوة وهيكلة القوات الحكومية لتكون بنفس فاعلية حلفاء الإمارات الجنوبيين.

 استمر دعم الرياض القوي للرئيس هادي كزعيم للحكومة الشرعية وعملت على تسليح قواته في جنوب اليمن، وبناء أكبر شبكة ممكنة من الحلفاء.

 غير أن الوجود السعودي بالمهرة قوبل برفض محلي مدعوم من عُمان وقطر، يتزعمه الشيخ علي سالم الحريزي.

 في المحصلة، تشكلت ملامح السياسة السعودية تجاه جنوب اليمن خلال العامين 2017-2018 بناء على عاملين: العلاقة التعاونية/التنافسية مع أبوظبي وما ترتب عليها من انقسامات داخلية بين الجنوبيين في الحكومة المعترف بها دوليًّا والمجلس الانتقالي، والعلاقات المماثلة والمتغيرة مع مسقط والدوحة وما أسفرت عنه على صعيد خلق المزيد من التوترات للسياسة السعودية.

 

ورغم أن محمد بن سلمان كان أكثر حزمًا في السلطة السعودية، عانت السياسة السعودية من مشاكل داخلية؛ فلا اللجنة الخاصة بشأن اليمن -المعيّنة منذ وقت طويل من قِبل مجلس الوزراء السعودي -ولا السفارة السعودية، (التي انتقلت إلى عدن عام 2015)، معتادتان على العمل مع القيادة السعودية الجديدة. كما أدى قتل الصحفي جمال خاشقجي في أكتوبر/تشرين الأول 2018 إلى تنامي الضغوط الدولية على السعودية لتغيير مسارها في حرب اليمن، وأسفر ذلك التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بالحديدة في ديسمبر/كانون الأول 2018. خلق الاتفاق تصدعات داخل التحالف ومعسكر الحكومة اليمنية.

خلال هذه المرحلة، قرر محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة، أن يضع إدارة السياسة السعودية تجاه اليمن بيد شقيقه، نائب وزير الدفاع، الأمير خالد بن سلمان، لينعكس ذلك في انشغاله بملفات أخرى ورغبته إبعاد نفسه عن حرب لم تجرِ كما كان مخططًا لها.

 

العودة إلى التهدئة

 

واجهت الرياض عام 2019 ثلاثة تهديدات رئيسية: هجمات الحوثيين على المنشآت النفطية داخل الأراضي السعودية، والتصعيد العسكري من قِبل المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن، وتنامي عسكرة الصراع في محافظة المهرة. ونظرًا لهذه التحديات، ازداد نشاط الرياض بشكل ملحوظ في سعيها للحوار مع مختلف الجهات الفاعلة، بما في ذلك عقد محادثات مباشرة مع جماعة الحوثيين.

 أجرى السعوديون مشاورات سرية مع الحوثيين لاستكشاف فرص التسوية السياسية من جهة، والتوصل إلى تهدئة فورية للأعمال العدائية على الحدود اليمنية-السعودية. استخدمت الرياض هذه القنوات الخلفية عام 2019 لاستكشاف فرص وقف شامل لإطلاق النار، ولكن هذه الجهود فشلت. تصاعدت هجمات الحوثيين بالطائرات المسيّرة عام 2019، وتبنى الحوثيون الهجمات على منشآت أرامكو في بقيق وخريص في سبتمبر/أيلول 2019 التي أدت إلى تعطل إنتاج النفط السعودي لعدة أسابيع، رغم أن واشنطن والرياض اتهمتا إيران بالوقوف وراء العملية.

 

 

أما في الجنوب، اندلعت اشتباكات دامية في شهر أغسطس/آب 2019 بين قوات الحكومة وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، ما دفع بخالد بن سلمان إلى تبني نهج جديد: نهج يتجنب الأخطاء التي وقعت فيها سياسة التصعيد، التي تبناها شقيقه خلال عملية عاصفة الحزم -وبالتالي لم يكن هناك تحرك سعودي عسكري في عدن -ويستفيد ايضا من سياسة التهدئة التي تبناها ابن عمه محمد بن نايف حينما قبل باتفاق سلام بين الحوثيين وهادي عام 2014 مانحًا بذلك الحوثيين شرعية دون ضمانات لتطبيق الاتفاق.

 

 

وبالتالي، لم يقبل السعوديون الدخول في تسوية مع المجلس الانتقالي المتحالف مع الإمارات، إلا بعد أن ضمنوا تعديل ميزان القوى الاستراتيجي في الجنوب، الأمر الذي جرى على مرحلتين.

 أولًا: تفكيك قوات المجلس المسلحة في شبوة بعد هزيمة قوات النخبة الشبوانية أمام القوات الموالية للحكومة خلال اشتباكات أغسطس/آب، والتمركز المباشر للقوات السعودية والحكومية في مطار المحافظة، وفرض خطة الأقاليم الستة، وعزل المجلس الانتقالي الجنوبي (الذي لم يعطِ موافقته على هذه الخطة) في المحافظات الغربية بالجنوب.

وثانيًا، إزالة وجود القوات الإماراتية في عدن وتمركز قوات سعودية بدلًا عنها، وبالتالي تجفيف مصادر الدعم المالي والتسليحي المباشر للمجلس الانتقالي الجنوبي ووقف النمو المضطرد لقواته. كان انسحاب الإمارات من اليمن الذي أُعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2019 شكليًّا إلى حد كبير، حيث إنها لم تنسحب عمليًّا من عدن إلا تحت ضغط سعودي.

 

بعد توقيع اتفاق الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، اتجه الأمير خالد بن سلمان إلى مسقط لتهدئة التوترات إزاء المهرة. وفي فبراير/شباط 2020، تم التوصل إلى اتفاق لتعيين محافظ للمهرة يحظى بالقبول من جميع الأطراف، بما فيها حلفاء مسقط في السلطة المحلية، والإبقاء على الوجود العسكري السعودي عند مستوى يُرضي العمانيين. وبالفعل خفف السعوديون تدريجيًّا وجودهم العسكري في المحافظة، وأكملوا انسحابهم من جميع المناطق أواخر 2021 باستثناء قاعدة عسكرية في مديرية الغيضة، عاصمة المهرة.

تزامن هذا مع ما بدا تكثيف جهود الرياض ومسقط لحل النزاع في اليمن.

 

 

بدأت السعودية عبر خالد بن سلمان بالعودة إلى نهجها التقليدي الهادئ الذي يفضّل الحفاظ على الوضع القائم. كما لعبت الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الديمقراطيين، والذي كان صعودها متوقعًا خلال عام 2020، دورًا حاسمًا في تعزيز هذا النهج. ذهبت الرياض أبعد من ذلك إذ طمحت إلى التوصل لحل مع الحوثيين، وخلفها طهران، عبر المشاركة في محادثات مسقط وبغداد.

 تحسن الوضع على الأرض إلى حد ما نتيجة هذا التواصل. على سبيل المثال، استمر وقف إطلاق النار عبر الحدود والهجمات الجوية التي يشنها الحوثيون والقصف السعودي لليمن لعدة أشهر عامي 2019 و2020. ولكن، مؤخرًا، استمرت حملة الحوثيين العسكرية في مأرب وهجماتهم الجوية على الأراضي السعودية بلا هوادة.

 

 

 

السعودية ومعضلة السلام

 

يمكن تلخيص الأهداف السياسة السعودية في جنوب اليمن في الحفاظ على الوحدة، وتعزيز هيمنتها، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة. عدلت الرياض سياستها الخارجية خلال سنوات النزاع، وتبنت نهجًا أكثر مرونة وواقعية حيث تبني توافقات وتستخدم القوة بشكل أخف. أسفر هذا النهج عن اتفاق الرياض، التسوية السياسية المبرمة في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، التي نجحت في تهدئة الصراع المسلح في الجنوب وتشكيل حكومة تقاسم السلطة في ديسمبر/كانون الأول 2019 بقيادة معين عبدالملك، القريب من السعودية، والذي عُيِّن عام 2018 لتشكيل حكومة. ورغم جهود خالد بن سلمان، فإن اتفاق الرياض لم ينجح كخطة عمل على المدى الطويل.

 

تمتلك السعودية أدوات نفوذ متعددة في جنوب اليمن تشمل الانتشار العسكري على الأرض في عدن وشبوة والمهرة؛ وشبكة تحالفات واسعة إقليميًّا، وتحديدًا مع الإمارات التي كان التعاون معها محوريًّا خلال النزاع، وتحالفات محلية عبر القوات المسلحة التابعة للحكومة والمؤسسات السياسية التابعة للحكومة (الرئاسة، البرلمان، الحكومة، السلطات المحلية) والتجمعات القبلية الصاعدة (حلف قبائل حضرموت، قبائل شبوة، قبائل المهرة، قبائل أبين) والتيارات السلفية. كما أن الرياض هي الأساس لتمويل القطاعين المدني والعسكري حيث تؤمّن الوقود لمحطات توليد الكهرباء، والسيولة اللازمة لتثبيت العملة، ودفع رواتب المجلس الانتقالي الجنوبي والرواتب الحكومية، فضلًا عن أنها تتحكم بالموارد المالية لإعادة الإعمار بعد النزاع. هذا كله، مكّن السعودية من تهدئة المعارضة لاتفاق الرياض.

 

لكن الوساطة السعودية تعرضت لنكسات مستمرة خلال عامي 2020 و2021.

اعتمد إحراز أي تقدم على تدخل خالد بن سلمان المباشر لمواجهة تصعيد المجلس الانتقالي، إذ أثبتت أجنحة السعودية البيروقراطية – اللجنة الخاصة بشأن اليمن، والسفارة السعودية، والجيش السعودي، وأجهزة المخابرات – عجزها عن إدارة الوضع اليمني بشكل يومي بصورة فعّالة. تفتقر هذه الأجهزة إلى التنسيق والرؤية بخصوص خطط عملها.

 

اعتادت السياسية الخارجية السعودية أن تتعامل مع الصراعات الإقليمية التي تثير مخاوفها عبر حروب الوكالة أو اقتراح مبادرات تسوية لا نهاية لها. عام 2015، وجد الجيل الثالث من أمراء آل سعود أنفسهم مسؤولين عن إدارة حرب على الأرض في اليمن. وحين تعذر النصر، اضطروا إلى البحث عن خيارات أخرى تستند على المفاوضات والحلول الوسط. كلا النهجين لم يكونا قط ضمن التجربة السعودية، وبالتالي أدركت الرياض أنه ليس بوسعها أن تأمل بالنجاح دون مساعدة حلفائها، سواء الجدد أو القدامى.

 

ينضوي احتمال الفشل في تطبيق اتفاق الرياض على مخاطر جسيمة لن تصب في مصلحة أي طرف باستثناء طهران. وفي حال عودة المجلس الانتقالي والحكومة اليمنية إلى منطق المواجهة الصفرية، ستكون الرياض إزاء خيارين أحلاهما مر: استخدام قوتها العسكرية لفرض الوحدة وفتح جبهة جديدة في عدن، أو المجازفة بدعم استقلال حضرموت في محاولة لعزل المجلس الانتقالي من الإقليم الجنوبي الشرقي ودعم القوى العسكرية المناوئة له. تواصل السعودية العمل على افتراض أن أيًّا من هذين الخيارين لن يصبحا ضرورة، وتسعى إلى استيعاب المجلس الانتقالي في هياكل الحكومة المعترف بها دوليًّا وضمه إلى فلك النفوذ السعودي.

 

أما المجلس الانتقالي الجنوبي يتطلع إلى سيناريو ثالث. مثلما كان وجود دولة معادية في جنوب اليمن خلال السبعينيات والثمانينيات دافعًا لكي تدعم السعودية اليمن الشمالي، فإن ترسخ قوة الحوثيين في الشمال قد يدفع الرياض إلى دعم خطة الانفصال الجنوبي كجزء من الحل النهائي للنزاع. على سبيل المثال، يرى المجلس أن سقوط مأرب في يد الحوثيين يعني بالمحصلة انهيار الحكومة المعترف بها دوليًّا، الأمر الذي سيجبر الرياض على التعامل مع المجلس الانتقالي كعنصر ردع ضد مساعي الحوثيين للتوسع جنوبًا. عام 2020، أشار رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزُبيدي أن هذا ما سيكون مجرى الأحداث عليه في حال سقطت مأرب، المعقل الشمالي الأخير للحكومة المعترف بها دوليًّا، بيد الحوثيين.

 

 

إلى حد كبير، بدا أن رهان المجلس الانتقالي الجنوبي في محله حيث خسرت الحكومة المعترف بها دوليًا مناطق واسعة في محافظتي مأرب وشبوة لصالح الحوثيين خلال عام 2021. وأدى ذلك إلى تفاهم سعودي إماراتي جديد حول تغيير هيكل القوة في شبوة بما يحفظ مصالح أبوظبي والرياض وحلفائهما. من جهة، استُبدل محافظ شبوة محمد صالح بن عديو المنتمي إلى حزب الإصلاح بالشيخ عوض العولقي، ومن جهة أخرى انتقلت قوات العمالقة الجنوبية التي كانت موجودة في الساحل الغربي إلى محافظة شبوة في ديسمبر/كانون الأول 2021 ونجحت في الاستيلاء على بعض المديريات التي كانت تحت سيطرة الحوثيين. كما أعادت قوات النخبة الشبوانية، التي تتبع المجلس الانتقالي، انتشارها في المحافظة بعد إجراء تغييرات في قيادتها العسكرية، وسُميت باسم قوات دفاع شبوة.

 

وبالمقابل فإن تطبيق اتفاق الرياض بنجاح سيسمح بحلحلة القضية الجنوبية خلال فترة انتقالية يتم خلالها إقناع الحوثيين على الالتزام بتسوية شاملة. من الممكن حث الحوثيين على تليين موقفهم إذا نجحت التسوية في معالجة الممارسات الفاسدة والمحسوبية السياسية التي تراها المجموعات المعارضة في حكومة هادي.

 

ضمان السلام في اليمن يقتضي تعديل ميزان القوى بين الحوثيين من جهة، والقوى المناوئة لهم من جهة أخرى عبر الضغط على الحوثيين بالتفاوض على تسوية. يمكن للسعودية والمجتمع الدولي تحقيق ذلك عبر ثلاثة خيارات: ردع تقدم الحوثيين في مأرب ونقل مسرح العمليات إلى صنعاء حيث استهدفت عمليات التحالف السعودي مؤخرًا مواقع يعتقد أنها تستخدم لإنتاج الطائرات المسيّرة؛ واستئناف العمليات ضد قوات الحوثيين في الحديدة، والمُضي قُدمًا في تنفيذ اتفاق الرياض لا سيما في عدن. لكن محادثات السلام في الماضي لا تبعث بكثير من الأمل؛ فشلت مفاوضات الكويت عام 2016 في إنهاء القتال المستمر بمأرب، وفشلت مفاوضات ستوكهولم عام 2018 في منع تجدد القتال بالحديدة، ولكن يبقى اتفاق الرياض الوسيلة الوحيدة المعقولة نحو مسار السلام.

 

المصدر | مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية

التعليقات

الصورة

الأكثر قراءة

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5e85af3b6fb37.png

الاعداد السابقة