رولا القط تكتب لـ(اليوم الثامن):

سياسة الإرباك الحوثيين ودور إيران

في السنوات الأخيرة، بات دور الحوثيين في اليمن محورًا دوليًا لإثارة القلق بسبب سياساتهم العسكرية والسياسية، ولا سيما في ظل الدعم الإيراني المباشر وغير المباشر. يشهد اليمن تدخلات متعددة الأبعاد من قبل الحوثيين، إلا أن هذا التدخل لم يكن بمعزل عن مصالح إيران، التي تراهن على الحركة الحوثية لتحقيق أهدافها الإقليمية في منطقة الخليج والشرق الأوسط.

سياق تدخل الحوثيين
الحوثيون منذ عام 2014 تمكنوا من السيطرة على مناطق واسعة في شمال اليمن، مستغلين الانقسامات السياسية الداخلية والصراعات الإقليمية. تدخلاتهم الحالية تتراوح بين الصراعات العسكرية في محافظات استراتيجية، والتأثير على خطوط الملاحة البحرية، وتهديد الاستقرار الإقليمي من خلال الهجمات العابرة للحدود. ويمكن تفسير تصعيد الحوثيين على أنه يأتي في توقيت حرج على الساحة الإقليمية والدولية، خصوصًا في ظل الضغوط الأميركية والتحالف العربي في المنطقة.

العلاقة مع إيران
تقدم إيران للحوثيين دعماً عسكرياً واستخباراتياً ولوجستياً، يشمل تزويدهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، والتدريب العسكري على تقنيات متقدمة، ودعم شبكات مالية لتسهيل التمويل والعمليات اللوجستية. وبالمقابل، تستفيد إيران من الحوثيين في عدة أوجه، أبرزها الضغط على خصومها الإقليميين عبر استنزاف السعودية والإمارات ودول التحالف العربي، والتأثير على أمن الخليج عبر استخدام الحوثيين كأداة ضغط في التفاوض والتصعيد، وتعزيز نفوذها الإقليمي بربط الحوثيين بمحاورها الاستراتيجية في العراق ولبنان وسوريا.

التوقيت الحالي للتدخل
تصعيد الحوثيين مؤخرًا ليس عشوائياً، بل يعكس استغلال إيران لمرحلة حساسة، ومحاولة كسر الجمود السياسي في اليمن لصالح الجماعة المدعومة من طهران، والضغط على المجتمع الدولي لقبول الحوثيين كطرف سياسي فاعل، وبالنتيجة تعزيز موقع إيران ضمن المحيط الإقليمي. وفي هذا السياق، لا ينفصل الإرباك الخارجي عن حسابات الداخل الإيراني، لأن النظام في طهران اعتاد استخدام الساحات الخارجية لتخفيف ضغط أزماته الداخلية ورفع كلفة المواجهة على خصومه.

الحرب كفرصة سياسية وأمنية داخل إيران
يستغلّ النظام الإيراني الحرب الجارية بوصفها فرصة سياسية وأمنية في آن واحد. فمن الناحية الداخلية، تساعده أجواء الحرب على إعادة لَمّ صفوفه المتصدعة، وتخفيف حدّة التناقضات والصراعات بين أجنحته ومراكزه المتنافسة، ولو مؤقتاً، عبر فرض مناخ تعبئة عامة تحت عنوان "الدفاع عن البلاد" و"مواجهة العدو الخارجي". وفي مثل هذه الظروف، يسعى النظام إلى إسكات أي صوت ناقد أو معارض، ويقدّم القمع باعتباره إجراءً أمنياً مشروعاً لا بدّ منه في زمن الحرب. لكن الأخطر من ذلك أن هذه الأجواء تمنحه غطاءً إضافياً لتوسيع حملات القمع ضد معارضيه السياسيين، ولا سيما أعضاء "مجاهدي خلق"، الذين يقبع كثير منهم في السجون منذ سنوات طويلة. فبدلاً من أن تدفعه الحرب إلى التهدئة الداخلية، وجد فيها ذريعة لتسريع موجة الإعدامات، وتكثيف سياسة الترهيب، وتوجيه رسالة دموية إلى المجتمع الإيراني مفادها أن أي معارضة منظمة ستُواجَه بأقصى درجات البطش. وما إقدامه خلال اليومين الماضيين على تنفيذ إعدامات جديدة بحق عدد من أعضاء "مجاهدي خلق" إلا دليل واضح على أن النظام لا يتعامل مع الحرب باعتبارها تهديداً خارجياً فقط، بل أيضاً كفرصة سانحة لتصفية خصومه في الداخل وإحكام قبضته على المجتمع.

تقييم الفائدة الإيرانية
على المدى القصير، يقدم الحوثيون لإيران ورقة ضغط مباشرة على السعودية والإمارات، مع القدرة على تحريك ملفات سياسية وعسكرية لصالحها. على المدى المتوسط، استمرار النزاع يمنح إيران نفوذًا سياسيًا عبر الحوثيين دون تحمل تكاليف مباشرة. وعلى المدى الطويل، يعقّد تعاظم الحضور الإيراني في اليمن أي تسوية سياسية مستقبلية، ويجعل المنطقة أكثر هشاشة أمنياً، ويُبقي خطوط الملاحة والاقتصادات الخليجية تحت تهديد دائم. وفي الوقت ذاته، يزيد هذا المسار من تآكل شرعية النظام داخلياً، لأن فاتورة المغامرات الخارجية تُدفع من لقمة الإيرانيين وأمنهم، بينما يجري توظيف الحرب والأزمات لإدامة آلة القمع والإعدامات.

سياسة الإرباك الحوثيين لم تعد مجرد نزاع محلي، بل أصبحت أداة إيرانية لتحقيق أهداف استراتيجية. التدخل الحوثي في توقيت حساس يعكس حسابات إيران لاستغلال الأزمات الإقليمية، بينما يظل اليمنيون ضحايا لصراع يتداخل فيه البعد المحلي مع المصالح الدولية. وفي المقابل، يدفع المجتمع الإيراني ثمنًا مضاعفًا: ثمن مغامرات خارجية تُشعل التوتر، وثمن قمع داخلي يتغذّى من مناخ الحرب ويستخدمه غطاءً لمزيد من الترهيب. فهم هذا السياق مهم لأي تحليل سياسي أو قرار استراتيجي حول أمن المنطقة ومستقبلها.