رولا القط تكتب لـ(اليوم الثامن):

ترامب يفجّر مفاجأة سياسية: الاتفاق مع إيران مقابل التطبيع مع إسرائيل… هل يُعاد تشكيل الشرق الأوسط؟

في تطور سياسي أثار الكثير من التساؤلات والقلق في المنطقة، ألقى الرئيس الأمريكي السابق Donald Trump بما يشبه “القنبلة السياسية” عندما ربط بشكل مباشر بين أي اتفاق محتمل مع إيران وبين دفع الدول العربية نحو التطبيع مع إسرائيل. التصريحات جاءت خلال اجتماع جمعه بقادة السعودية وقطر والبحرين وباكستان وتركيا ومصر والأردن لمناقشة ملف الاتفاق مع إيران، قبل أن يعيد التأكيد على موقفه عبر منصة “تروث سوشيال”، مطالباً خصوصاً السعودية وقطر بالانضمام إلى اتفاقيات السلام مع إسرائيل.

هذا الطرح فتح الباب أمام تساؤلات كبيرة: هل نحن أمام محاولة جديدة لإعادة رسم الشرق الأوسط؟ وهل يسعى ترامب لتحقيق الرؤية التي طالما حلم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu بجعل إسرائيل القوة المركزية المهيمنة في المنطقة؟

من الحرب مع إيران إلى إعادة هندسة المنطقة

في بداية التصعيد، كان الخطاب الأمريكي والإسرائيلي يركز على هدفين أساسيين: إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء برنامجه النووي. لكن مع مرور الوقت، بدا أن المسألة تتجاوز مجرد الصراع مع إيران، لتتحول إلى مشروع سياسي أوسع يهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط.

الرسالة التي ظهرت بوضوح هي أن أي تهدئة مع إيران يجب أن تقابلها ترتيبات إقليمية جديدة، وفي مقدمتها توسيع دائرة التطبيع العربي مع إسرائيل. وكأن المنطقة تُدفع نحو معادلة جديدة: الأمن مقابل التطبيع.

ضغوط على الخليج ورسائل تهديد مبطنة

التصريحات الأمريكية لم تأتِ وحدها، بل سبقتها مواقف شديدة اللهجة من السيناتور الجمهوري Lindsey Graham الذي لوّح بعواقب “وخيمة” إذا رفضت السعودية وقطر الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية ضمن أي تسوية إقليمية مع إيران.

هذا الطرح فُهم في العديد من الأوساط السياسية على أنه نوع من الضغط والابتزاز السياسي للدول الخليجية، خصوصاً أن هذه الدول لم تكن صاحبة قرار الحرب أو التصعيد منذ البداية، بل حاولت في أغلب الأحيان تجنب الانخراط المباشر في الصراع.

السعودية تتمسك بشرط الدولة الفلسطينية

ورغم كل الضغوط، جاء الرد السعودي واضحاً وحاسماً. فبحسب ما نقلته CNN عن مصدر سعودي مسؤول، فإن موقف الرياض “ثابت ولم يتغير”، وأن أي تحرك نحو التطبيع مع إسرائيل مرتبط بمسار واضح وغير قابل للتراجع لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

هذا الموقف يعيد التذكير بأن المرجعية السعودية الأساسية لا تزال مبادرة السلام العربية التي أطلقتها الرياض عام 2002، والتي تنص على إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية مقابل التطبيع الكامل مع إسرائيل.

وبذلك، تبدو السعودية حتى الآن رافضة لفكرة “التطبيع المجاني” الذي لا يقدم حلاً حقيقياً للقضية الفلسطينية.

هل يتحقق مشروع نتنياهو؟
يرى كثير من المراقبين أن ما يحدث اليوم قد يكون جزءاً من مشروع أكبر يعمل عليه ترامب ونتنياهو معاً، يقوم على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بطريقة تجعل إسرائيل القوة السياسية والعسكرية الأبرز في المنطقة.
فالتطبيع الواسع دون حل القضية الفلسطينية يعني عملياً تراجع مركزية القضية الفلسطينية عربياً، وهو ما سعت إليه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وخاصة حكومة نتنياهو.
كما أن الاتفاقيات الإبراهيمية، بصيغتها الحالية، لا تشترط قيام دولة فلسطينية، الأمر الذي تعتبره أطراف عربية كثيرة تجاوزاً لجوهر الصراع العربي الإسرائيلي.
ما خيارات الدول العربية؟
اليوم تجد الدول العربية، وخاصة الخليجية، نفسها أمام معادلة معقدة للغاية:
• القبول بالضغوط الأمريكية والانضمام إلى ترتيبات إقليمية جديدة.
• أو التمسك بشروطها السياسية وتحمل تبعات الضغوط الاقتصادية والسياسية المحتملة.
وفي الحالتين، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة شديدة الحساسية، قد تعيد رسم التحالفات وموازين القوة لعقود قادمة.
تصريحات ترامب الأخيرة ليست مجرد دعوة للتطبيع، بل مؤشر على مشروع سياسي كامل لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد سنوات من الحروب والتوترات. وبين الضغوط الأمريكية والمواقف العربية الثابتة، تبقى القضية الفلسطينية محور الاختبار الحقيقي لأي تسوية قادمة.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح واشنطن وتل أبيب في فرض معادلة جديدة على المنطقة، أم أن الدول العربية ستتمسك بشروطها وثوابتها السياسية مهما كان الثمن؟