د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):
نظام الملالي بين التصدع وإعادة التموضع!!
تمر جمهورية الملالي في إيران بمنعطف سياسي يعد الأكثر تعقيداً في تاريخها الحديث حيث لم تعد المؤشرات الراهنة تعكس مجرد تباين اعتيادي في وجهات النظر بين التيارات السياسية بل تؤشر على انقسام بنيوي حاد يؤكد على تفسخ النخبة الحاكمة.. وفي هذا السياق تأتي القراءة التحليلية التي قدمها البرلماني الأوروبي السابق ستروان ستيفنسون عبر منصة تاون هول الأمريكية لتسلط الضوء على تحول التحركات الدبلوماسية الأخيرة لطهران بشأن مضيق هرمز إلى بؤرة فجرت صراع الأجنحة علناً داخل سلطات النظام مظهرة هشاشة شعارات الوحدة السياسية في مواجهة الأزمات المركبة.
المفاوضات الإقليمية ومحركات القلق الداخلي
شهدت الساحة السياسية الإيرانية تصعيداً في حدة التنافس الداخلي؛ تجلى بوضوح في الكواليس المحيطة بانتخابات هيئة رئاسة البرلمان حيث رصدت مراكز رصد دولية ومحللون مستقلون محاولات حثيثة من تيارات متشددة لإضعاف موقع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.. ويرتبط هذا الحراك النيابي المحموم بضغوط اقتصادية خانقة واحتجاجات فئوية مستمرة يقودها العمال والمعلمون والمتقاعدون ضد تدهور القدرة الشرائية، ومعدلات التضخم القياسية.
لمواجهة هذا الخطر الماثل تحرك جناح المحافظين البراغماتيين ممثلاً بوزير الخارجية عباس عراقجي ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي بدعم من قاليباف نحو صياغة قنوات تفاوضية في الدوحة.. ووفقاً لتقارير ميدانية مستقلة تدور مسودة التفاهمات غير المباشرة مع واشنطن حول صياغة هدنة مؤقتة تضمن تأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز وإعادة فتحه بالكامل مقابل رفع تدريجي للقيود المالية والإفراج عن الأرصدة المجمدة التي تحتاجها الخزينة العامة بشكل عاجل لمنع الانهيار المالي الشامل.
غياب المركزية العقائدية واشتعال صراع الشرعية
يواجه رئيس السلطة التنفيذية مسعود بزشكيان مأزقاً خانقاً في تسويق هذه التنازلات أمام القواعد الأيديولوجية الصلبة للنظام، وفي محاولة لتهدئة غضب التيار المتشدد عزا بزشكيان القرارات الكبرى إلى إشراف القيادة العليا مشيراً إلى دور محوري لـ مجتبى خامنئي؛ إلا أن هذا الاستشهاد واجه معضلة أعمق ترتبط بسيكولوجية الغموض حيث تزايدت التكهنات الدولية المستندة إلى تقارير استخباراتية مفتوحة المصدر حول غياب مجتبى خامنئي عن المجال العام إثر تداعيات الغارات الجوية الأخيرة مما جعل البيانات المنسوبة إليه عبر الإعلام الرسمي غير كافية لتبديد مخاوف الميليشيات والقواعد العقائدية.
هذا الغموض دفع رموز التيار المتطرف إلى شن هجوم لاذع على الفريق المفاوض حيث اعتبر حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان أن المقايضة على مضيق هرمز تمثل تفريطاً بأوراق القوة الاستراتيجية، وفي ذات السياق صرّح نواب بارزون مثل أمير حسين ثابتي وحميد رسائي بأن تقديم أي مرونة تجاه واشنطن يعد انتحاراً سياسياً يقوض الأسس الأيديولوجية التي قام عليها النظام سنة 1979، معتبرين التراجع عن العداء التقليدي للولايات المتحدة ضربة قاضية لشرعية النظام البنيوية.
تآكل منظومة الردع الإقليمي والسيناريوهات المفتوحة
تزامنت هذه الانقسامات الداخلية مع ضربات جوية دقيقة وجهتها القوى الدولية ضد مقار الفصائل الحليفة لطهران في المنطقة مما أدى إلى تآكل نسبي في استراتيجية "الدفاع الإيرانية المتقدمة"، وتوضح المؤشرات الميدانية المستقلة أن النظام بات مشلولاً بين مسارين كلاهما مر:
مسار الاسترضاء.. تقديم تنازلات جوهرية في ملفات الملاحة والإقليم الأمر الذي سيؤدي إلى تمزيق التماسك الداخلي وفقدان الغطاء الأيديولوجي.
مسار المواجهة المستر.. ويعني الرفض المطلق للتفاوض مما يعجل بالانهيار الاقتصادي الكامل ويهيئ الأرضية لانفجار اجتماعي شامل تقوده الحركات الاحتجاجية ووحدات المقاومة.. وتُجمع مراكز الرصد الدولية على أن الدكتاتوريات عندما تفقد قدرتها على المناورة المالية والدبلوماسية تصبح خياراتها صفرية..
إن واقع المشهد الإيراني الراهن يشير إلى أن قطار التحولات البنيوية قد انطلق بالفعل ولم يعد السؤال المحوري يدور حول إمكانية تجنب الأزمة بل حول أي الخيارين سيعجل بالتحول الجذري في بنية السلطة أولاً.. ولو حُصِرت خيارات التغيير في سياقاتها الجماهيرية الطبيعية لأصبح التغيير قاب قوسين أو أدنى هذا إن لم يكن قد حدث بالفعل وفقا لرؤية المقاومة الإيرانية..


