مشروب غريب من فيتنام يغزو العالم..

كيف تحولت القهوة من مشروب يومي إلى ظاهرة صحية وثقافية؟

عادت قهوة البيض الفيتنامية للواجهة كمشروب ثقافي عالمي، بالتزامن مع دراسة حديثة تربط الاستهلاك المعتدل للقهوة بانخفاض القلق والاكتئاب، ما يعكس تحوّل القهوة من مجرد مشروب يومي إلى عنصر يجمع بين الهوية الثقافية والتأثيرات الصحية المحتملة.

وكالات

تعود القهوة إلى واجهة النقاش العالمي من زاويتين متوازيتين؛ الأولى ثقافية تتعلق بانتشار مشروب تقليدي فيتنامي، والثانية علمية تربط استهلاكها بالصحة النفسية، في مشهد يعكس تحوّل هذا المشروب من عادة يومية إلى ظاهرة متعددة الأبعاد.

في العاصمة الفيتنامية هانوي، استعادت "قهوة البيض" حضورها العالمي بعد موجة اهتمام إعلامي متزايد، أعادت تسليط الضوء على مشروب نشأ في ظروف استثنائية خلال أربعينيات القرن الماضي، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز رموز الثقافة المحلية.

تعود أصول هذا المشروب إلى عام 1946، عندما ابتكره نغوين فان جيانغ، في سياق نقص الحليب خلال الحرب، ليعتمد على صفار البيض المخفوق مع السكر والحليب المكثف كبديل. هذه التركيبة غير التقليدية أنتجت مشروباً بطبقتين، يجمع بين قهوة سوداء قوية ورغوة كثيفة، ما يمنحه قواماً أقرب إلى الحلويات الساخنة.

ومع مرور الوقت، ساهم مقهى "جيانغ" في ترسيخ حضور هذا المشروب داخل فيتنام، قبل أن يتحول إلى محطة سياحية بارزة، خاصة مع توسع الاهتمام العالمي بالقهوة الفيتنامية. وخلال السنوات الأخيرة، بدأت مقاهٍ في أوروبا والولايات المتحدة إدراجه ضمن قوائم المشروبات التجريبية، مدفوعة بانتشاره عبر منصات التواصل الاجتماعي.

هذا الانتشار لم يكن مدفوعاً فقط بطابعه البصري الجذاب، بل أيضاً بتركيبته الغذائية، التي تمنحه قيمة مختلفة عن القهوة التقليدية. فإضافة صفار البيض توفر مزيجاً من البروتينات والدهون الصحية، إلى جانب فيتامينات أساسية، ما يمنحه قدرة على توفير طاقة ممتدة وإحساس أطول بالشبع.

لكن في المقابل، تطرح هذه التركيبة تساؤلات صحية، خاصة في ما يتعلق باستخدام البيض النيء، وما قد يرتبط به من مخاطر بكتيرية، إضافة إلى ارتفاع السعرات الحرارية، وهو ما يجعل استهلاكه غير مناسب لبعض الفئات.

في سياق موازٍ، جاءت دراسة حديثة من Fudan University لتضيف بعداً علمياً للنقاش حول القهوة، حيث ربطت بين الاستهلاك المعتدل لها وانخفاض خطر الإصابة بالقلق والاكتئاب.

الدراسة، التي اعتمدت على بيانات من قاعدة UK Biobank، تابعت أكثر من 460 ألف شخص على مدى 13 عاماً، وخلصت إلى أن استهلاك كوبين إلى ثلاثة أكواب يومياً يرتبط بأدنى مستويات خطر الاضطرابات النفسية.

النتائج أشارت إلى ما يُعرف بـ"منحنى J"، حيث تتحقق الفوائد عند مستويات معتدلة، قبل أن تبدأ بالتراجع مع الإفراط في الاستهلاك. هذه العلاقة تعكس طبيعة تأثير الكافيين، الذي يعمل على تحفيز الجهاز العصبي وتعزيز إفراز مواد كيميائية مرتبطة بالمزاج والانتباه.

لكن الباحثين حذروا في الوقت ذاته من أن الإفراط في استهلاك القهوة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل اضطرابات النوم وزيادة التوتر، ما قد يفاقم أعراض القلق لدى بعض الأفراد.

كما أكدوا أن هذه النتائج لا تثبت علاقة سببية مباشرة، بل تشير إلى ارتباط إحصائي، قد يتأثر بعوامل أخرى مثل نمط الحياة وجودة النوم.

ويعكس تلاقي هذين المسارين—الثقافي والعلمي—تحول القهوة من مجرد مشروب تقليدي إلى عنصر معقد يجمع بين الهوية والوظيفة.

وبين كوب يُقدّم كتجربة حسية فريدة، وآخر يُدرس كعامل محتمل في دعم الصحة النفسية، تبدو القهوة اليوم أكثر من مجرد عادة… بل قصة تتغير باستمرار.