محمد علي محمد يكتب لـ(اليوم الثامن):
الجنوب.. بين وهج الثورة ومتاهات التفكيك
تمرّ بلادنا بلحظة لا تحتمل أنصاف المواقف ولا تبرر الجمود. المشهد السياسي مزدحم بالتناقضات؛ فبينما تتجه التطلعات نحو صفٍّ متماسك كالبنيان المرصوص، تعود مؤشرات التشرذم للظهور بأسماء براقة وعناوين فضفاضة.
كان المجلس الانتقالي الجنوبي إطارًا التفّ حوله قطاع واسع من الجنوبيين، حاملاً تفويضًا وآمالًا بأن يكون «البيت الجامع» للقوى المؤمنة باستعادة الدولة. غير أنّ ما يطفو اليوم من تكتلات متزايدة يطرح سؤالًا مباشرًا: لماذا يتكاثر هذا التشظّي في لحظة تستدعي أعلى درجات التماسك؟ ومن المستفيد من تفتيت الكتلة الواحدة إلى جزر متنافرة؟
ما يُطرح تحت عنوان «الحوار الجنوبي–الجنوبي» يفترض أن يعزّز الجبهة الداخلية، لا أن يتحول إلى أداة ضغط بالمال السياسي أو مدخلًا لتمرير أجندات خارجية تعيد «هندسة» القرار الجنوبي بما يخدم مصالح غير وطنية. تعدد الرؤوس في جسد واحد لا يعني تنوعًا صحيًا بقدر ما يعكس عجزًا عن الحركة. وبدل ترميم اللحمة، تبدو هناك مسارات تدفع نحو إعادة إنتاج صراعات داخلية.
إلى متى يستمر الضعف، ونقبل بالتواري في لحظات الاختبار؟ ومتى يستعيد الشارع الجنوبي حيويته، فيرفض اختطاف قراره أو تجزئته لمصالح ضيقة؟ أين دور النخب والمثقفين في كشف محاولات إضعاف المجلس الانتقالي كفاعل سياسي، واستبداله بكيانات رخوة يسهل توجيهها؟ وأين تلك الأصوات التي كانت تتقدم الصفوف، وتتمسك بكرامة لا تنحني؟
إن الصمت—بشكله الراكد—يفتح المجال لتمرير مسارات التفكيك. والانسحاب من الفضاء العام يترك الآخرين يرسمون خارطة الطريق بمداد التنازلات. ومع ذلك، يظل الجنوب الذي ننتمي إليه جنوب القرار المستقل، لا جنوب الإملاءات العابرة للحدود أو الوعود المؤجلة.
لا يُصنع المجد بالصمت، ولا يُستعاد الوطن بالتشرذم، بل بالتكاتف والوضوح والقدرة على حماية القرار. المطلوب كسر حالة الجمود، واستعادة وهج الفعل السياسي، وتحصين الجبهة الداخلية من تأثير المال السياسي وأدوات الضغط.
نداء إلى كل جنوبي لا يزال يرى في هذه الأرض معنى: الضعف ليس قدرًا، والاختفاء ليس حلًا. لقد كنّا حاضرين حين كانت الأرض تحت الاحتلال، فكيف نغيب اليوم وهي بأيدينا بعد تضحيات كبيرة؟
كفى صمتًا. ثبات الموقف أقوى من محاولات التفكيك، والالتفاف حول مشروع واضح أمتن من أي ترتيبات عابرة. لنعد فاعلين في تقرير مسارنا، شركاء في القرار، لا متلقّين له.

