وائل الكثيري يكتب لـ(اليوم الثامن):

المطالبون بدولة حضرموت: مغالطات تاريخية وأجندة حزبية وانحياز سياسي

في السنوات الأخيرة، برز في الجنوب العربي خطاب سياسي جديد – قديم في جوهره – يرفع شعار “دولة حضرموت”. خطاب يبدو للوهلة الأولى حريصًا على الخصوصية المحلية والهوية الحضرمية، ويتحدث بلغة الحقوق والتهميش والعدالة. لكن التمعّن الهادئ في خلفياته، وفي القوى التي تتبناه وتدفع به إلى الواجهة، يكشف أن المسألة أبعد بكثير من دفاع بريء عن حضرموت، وأقرب إلى توظيف سياسي محسوب، يخدم مشاريع حزبية وأجندات خارجية، ويصطدم مباشرة بالمشروع الجنوبي الجامع.

القضية هنا ليست حضرموت. حضرموت أكبر وأعمق من أن تُختزل في شعار عابر أو كيان مُقترح على الورق. القضية هي: من يتحدث باسم حضرموت؟ ولماذا الآن؟ ولصالح أي مشروع سياسي يُعاد فتح هذا الملف؟

حضرموت في سياقها التاريخي: كيان فاعل لا جزيرة معزولة

تاريخ حضرموت لا يمكن فصله عن التاريخ السياسي والاجتماعي للجنوب العربي. فمنذ العصور المبكرة، لم تكن حضرموت كيانًا منفصلًا أو دولة قائمة بذاتها خارج السياق الجنوبي، بل جزءًا من نسيج أوسع تشكّل عبر التجارة، والهجرات، والتحالفات، والصراعات المشتركة.

في مرحلة الدولة الكثيرية، التي امتد نفوذها على أجزاء واسعة من حضرموت وشبوة، كانت المنطقة جزءًا من منظومة سياسية متداخلة مع بقية الجنوب، تربطها علاقات مصالح واقتصاد وحكم. لم تكن هناك حدود صلبة تفصل “حضرموت” عن “الجنوب”، بل فضاء واحد تتغيّر فيه مراكز القوة دون أن تنفصل الهويات.

الأمر نفسه ينطبق على الدولة القعيطية في القرون اللاحقة. صحيح أن القعيطيين حكموا حضرموت كوحدة إدارية وسياسية، لكن ذلك لم يكن مشروع انفصال عن الجنوب، بل إدارة محلية ضمن واقع إقليمي واحد. حضرموت في تلك المرحلة لم تُعرّف نفسها كدولة مضادة للجنوب، ولا كبديل عنه.

استخدام هذه الوقائع التاريخية اليوم بطريقة انتقائية، والقول إن حضرموت “كانت دائمًا دولة مستقلة”، ليس قراءة تاريخية بقدر ما هو إعادة تدوير للتاريخ لخدمة خطاب سياسي معاصر.

الدور البريطاني: التفكيك كأداة حكم

عندما دخل الاستعمار البريطاني إلى الجنوب العربي، لم يكن هدفه بناء دول قوية أو كيانات مستقرة، بل العكس تمامًا. بريطانيا فهمت مبكرًا أن السيطرة على الجنوب لا تتحقق عبر الوحدة، بل عبر التفكيك.

دعمت كيانات محلية، ومنحت امتيازات، وأبقت على سلطات تقليدية، لا حبًا في الخصوصيات، بل لتسهيل التحكم في الموانئ والممرات البحرية والطرق التجارية. حضرموت لم تكن استثناءً من هذا المنطق، بل جزءًا من استراتيجية أشمل لتقسيم الجنوب إلى وحدات صغيرة، يسهل إدارتها والتحكم بها.

هذه السياسة زرعت انقسامات سياسية واجتماعية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم. الخطير أن بعض الخطابات الحالية التي ترفع شعار “دولة حضرموت” تعيد – بوعي أو بدون وعي – إنتاج نفس المنطق الاستعماري: تفكيك الجنوب تحت لافتات محلية جذابة.

من الخصوصية إلى الأداة: أين يقف الإخوان؟

هنا نصل إلى جوهر المسألة. جزء كبير من الخطاب الداعي إلى “دولة حضرموت” اليوم لا يتحرك في فراغ، بل يتقاطع بوضوح مع مصالح جماعة الإخوان المسلمين في اليمن. الجماعة التي فقدت نفوذها في الجنوب خلال السنوات الماضية، تبحث عن مداخل جديدة للعودة، وتجد في هذا الشعار أداة مناسبة.

بعض الأصوات التي تتحدث باسم حضرموت تقدم غطاءً سياسيًا واضحًا للإخوان، وتتبنى خطابًا عدائيًا تجاه المجلس الانتقالي الجنوبي، ليس لأنه “مركزي” أو “إقصائي” كما يُدّعى، بل لأنه يمثل المشروع الجنوبي المستقل الذي يُغلق الباب أمام عودة الهيمنة الحزبية والوصاية الشمالية.

النتيجة هي معادلة خطيرة: تفكيك الجنوب باسم الخصوصية، وإعادة ربط حضرموت بشرعية يمنية عاجزة، تُدار عمليًا من قوى حزبية، وعلى رأسها الإخوان.

مؤتمر حضرموت الجامع: التعبير الحقيقي عن الإرادة الحضرمية

في مواجهة هذه الطروحات، لا يمكن تجاهل تجربة مؤتمر حضرموت الجامع، الذي تأسس عام 2017 كإطار جامع للحضارم، بمختلف انتماءاتهم القبلية والسياسية والاجتماعية.

هذا المؤتمر لم يأتِ ليعزل حضرموت، بل ليُعزز حضورها داخل المشروع الجنوبي. جمع قبائل، ونخبًا، وشبابًا، ومهنيين، وطرح رؤية واضحة: حضرموت قوية داخل جنوب قوي، لا حضرموت معزولة تُستخدم كورقة في صراعات الآخرين.

وجود هذا الإطار يُفند الادعاء بأن “الحضارم” يطالبون بدولة منفصلة. الواقع أن من يطالب بذلك هم أفراد وتيارات محددة، لا تمثل المزاج العام ولا الإرادة الجماعية.

حلف قبائل حضرموت: موقف لا لبس فيه

إلى جانب المؤتمر، يلعب حلف قبائل حضرموت دورًا محوريًا في المشهد. هذا الحلف، بما يمثله من ثقل اجتماعي وقبلي، كان واضحًا في مواقفه: حضرموت جزء من الجنوب، وأي مشروع يُفكك الجنوب لا يخدم مصالحها.

الحلف لم ينخرط في أجندات حزبية، ولم يساوم على الهوية الجنوبية، بل سعى إلى حفظ الاستقرار وحماية المصالح المحلية ضمن إطار وطني جنوبي أوسع. وهذا الموقف يعكس وعيًا سياسيًا عميقًا، يدرك أن العزلة ليست قوة، وأن التفكيك لا يصنع دولة.

الهوية الجنوبية في مواجهة التشظي

الجنوب العربي ليس شعارًا عاطفيًا، بل هو واقع جغرافي وتاريخي وإنساني. حضرموت، شبوة، المهرة، عدن، أبين، الضالع… هذه ليست جزرًا منفصلة، بل أجزاء من كيان تشكّل عبر قرون.

عندما يُطرح مشروع “دولة حضرموت” خارج هذا السياق، فهو لا يخلق هوية جديدة، بل يُربك الهوية القائمة، ويفتح الباب لصراعات داخلية، ويُضعف أي إمكانية حقيقية لتحقيق الاستقلال أو بناء دولة عادلة.

الخلاصة: حضرموت ليست ورقة سياسية

الدعوة إلى “دولة حضرموت” في هذا التوقيت، وبهذا الخطاب، ليست مشروع تحرر، بل أداة سياسية. أداة لتصفية حسابات، وإعادة تموضع حزبي، وضرب المشروع الجنوبي من الداخل.

حضرموت لا تحتاج إلى دولة على الورق، بل إلى مشروع وطني صادق، يعترف بخصوصيتها داخل هوية جنوبية جامعة، ويضع مصلحة الناس فوق مصالح الأحزاب.

وأي مشروع يتجاهل هذه الحقيقة، مهما تلحّف بالتاريخ أو بالشعارات، لن يكون إلا فصلًا جديدًا في مسلسل التفكيك… لا في مسار التحرر.