رولا القط تكتب لـ(اليوم الثامن):

إيران بعد الذروة: كيف تبدأ نهاية الأنظمة قبل أن تسقط؟

في النقاش الأميركي والغربي حول إيران، يتكرر السؤال الخطأ بإلحاح: هل سيسقط النظام الإيراني؟ هذا السؤال، رغم جاذبيته الإعلامية، يتجاهل حقيقة أكثر تعقيدًا وخطورة، وهي أن الأنظمة الأيديولوجية الحديثة نادرًا ما تسقط فجأة. الأغلب أنها تنهار ببطء، عبر مسار طويل من التآكل الداخلي، إلى أن تفقد قدرتها على أداء وظائف الدولة الأساسية، وعلى إقناع مجتمعها بأن استمرارها ما يزال ذا معنى.

من هذا المنظور، لا تقف إيران على حافة سقوط وشيك، لكنها دخلت مرحلة أخطر بكثير: مرحلة ما بعد ذروة السلطة. في هذه المرحلة، لا يعود التحدي هو إسقاط النظام، بل كيفية إدارته لانحدار طويل يضعف الدولة ويُنهك المجتمع ويُربك الإقليم.

ظاهريًا، يبدو النظام الإيراني قويًا: أجهزة أمنية فعّالة، قبضة عسكرية صارمة، ونفوذ إقليمي ممتد. لكن هذه المؤشرات تخدع أكثر مما تشرح. فالقوة الحقيقية للدولة لا تُقاس بقدرتها على القمع أو التمدد الخارجي، بل بقدرتها على توفير الاستقرار الداخلي والحد الأدنى من العدالة الاقتصادية. هنا تحديدًا تتكشف الأزمة.

اقتصاديًا، فشل النظام في حماية العملة، وكبح التضخم، والحفاظ على طبقة وسطى قادرة على الصمود. ومع كل تراجع جديد في قيمة الريال، لا يخسر الإيرانيون قدرتهم الشرائية فحسب، بل تتآكل علاقتهم النفسية بالدولة نفسها. حين تتحول الدولة من راعٍ اجتماعي إلى جهاز جباية بلا أفق، يبدأ الانهيار الحقيقي، حتى لو استمرت الهياكل قائمة.

سياسيًا، قام النظام على شرعية ثورية، لكن هذه الشرعية فقدت فعاليتها مع الزمن. بعد أكثر من أربعة عقود، لم تعد سردية “الثورة” قادرة على إقناع جيل وُلد بعدها، ولا يرى فيها امتدادًا لهويته أو مستقبله. تحولت الانتخابات إلى إجراء شكلي، والمؤسسات السياسية إلى واجهات، بينما تُدار السلطة فعليًا عبر أجهزة أمنية وشبكات اقتصادية مرتبطة بالحرس الثوري. النتيجة أن النظام لم يعد يحكم بالرضا، بل بالإكراه، وكل نظام يصل إلى هذه النقطة يصبح بقاؤه أكثر كلفة من قدرته على الاستمرار.

الأخطر من الشارع الغاضب هو المجتمع المنسحب. فبينما تركّز التغطيات الغربية على الاحتجاجات، يتجاهل كثيرون مظاهر التفكك الصامت: هجرة الكفاءات، توسّع الاقتصاد غير الرسمي، عزوف سياسي واسع، وفقدان شبه كامل للثقة بإمكانية الإصلاح من الداخل. هذا النوع من الانسحاب لا يصنع مشاهد درامية، لكنه يُفرغ الدولة من معناها. فالأنظمة قد تقمع التظاهر، لكنها لا تستطيع إجبار الناس على الإيمان بها أو الاستثمار فيها.

أما النخبة الحاكمة، فتبدو متماسكة من الخارج، لكن هذا التماسك يخفي تناقضات متزايدة. تحوّل الحرس الثوري من مؤسسة عسكرية إلى لاعب اقتصادي مهيمن خلق تضارب مصالح داخل الدولة نفسها، وأضعف فكرة “المؤسسة الجامعة”. يضاف إلى ذلك الغموض المتعلق بمرحلة ما بعد المرشد الأعلى، في ظل غياب شخصية قادرة على إعادة إنتاج شرعية النظام أو إدارة انتقال منضبط للسلطة. هذا الغموض لا يُسقط النظام فورًا، لكنه يضاعف هشاشته البنيوية.

ورغم المقارنات المتكررة، فإن السيناريو الإيراني لا يشبه فنزويلا. فإيران ليست دولة هامشية يمكن احتواؤها أو تغييرها بسهولة. حجمها السكاني، موقعها الجغرافي، وامتداداتها الإقليمية تجعل أي انهيار أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتدخل الخارجي المباشر. لهذا تفضّل واشنطن سياسة الاحتواء وإدارة المخاطر بدل السعي إلى إسقاط النظام. لكن الاحتواء، بطبيعته، لا يمنع الانهيار، بل يؤجله.

كيف إذن ينهار النظام الإيراني؟
ليس بضربة عسكرية، ولا بانقلاب سريع، ولا بثورة تقليدية. بل عبر شلل اقتصادي مزمن، وفقدان متزايد للشرعية الاجتماعية، وانقسامات داخل النخبة الحاكمة، وتحول الدولة إلى جهاز أمني بلا مشروع سياسي. عند هذه النقطة، لا يحتاج النظام إلى إعلان سقوطه؛ يكفي أن يتوقف عن العمل كدولة فاعلة.

الخطر الحقيقي لا يكمن في سقوط سريع، بل في بقاء طويل داخل حالة إنهاك. فالأنظمة المأزومة داخليًا تميل إلى تصدير أزماتها إلى الخارج، بحثًا عن شرعية بديلة أو عدو خارجي. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية في إيران الأخطر إقليميًا ودوليًا.

إيران اليوم لا تسقط، لكنها تتآكل.
وفي السياسة، ما بعد الذروة لا يعني استقرارًا… بل بداية النهاية.