رولا القط تكتب لـ(اليوم الثامن):
الإخوان المسلمون في ديربورن: كيف يُختطف العمل المجتمعي لصناعة نفوذ أيديولوجي داخل أميركا؟
لطالما قُدِّمت مدينة ديربورن بولاية ميشيغان بوصفها نموذجًا ناجحًا لاندماج الجاليات العربية والمسلمة في المجتمع الأميركي، ورمزًا للتعددية الدينية والمشاركة المدنية. مدينة يُفترض أنها تجسّد الحلم الأميركي: مواطنة كاملة، وفضاء مفتوح للاختلاف، وحضور سياسي لا يُختزل في الهوية.
لكن خلف هذه الصورة المثالية، يتشكّل منذ سنوات واقع مقلق بصمت: تمدّد شبكات أيديولوجية متأثرة بجماعة الإخوان المسلمين داخل مؤسسات الجالية، وتحويل العمل الديني والمجتمعي من خدمة عامة إلى أدوات نفوذ سياسي منظّم.
ما يحدث في ديربورن لا يشبه نشاطًا دينيًا طبيعيًا ولا حراكًا مدنيًا عفويًا. إنه إعادة إنتاج للنموذج الإخواني الكلاسيكي داخل بيئة ديمقراطية تمنحه شرعية قانونية وحرية حركة لم تتوفر له في أي بلد عربي.
لا توجد لافتة تحمل اسم التنظيم، ولا حزب مُعلن يمكن مساءلته، بل شبكة متداخلة من مساجد، وجمعيات خيرية، ومراكز ثقافية، ومنصات إعلامية، ومنظمات حقوقية، ونشطاء سياسيين، يشترك كثير من رموزها في مرجعية واحدة تقوم على أدبيات الإسلام السياسي ومنطق “الجماعة فوق المجتمع”.
هذه الشبكة لا تتحرك بمنطق الصدام، بل بمنهج التغلغل البطيء: بناء الثقة، ثم احتكار المنصات، ثم صناعة شرعية تمثيلية وهمية، تتحول لاحقًا إلى نفوذ سياسي فعلي. هنا لا تُمارس الهيمنة بالقوة، بل بالرمزية، وبالقدرة على الادعاء بأن من يملك المسجد يملك الجالية.
يتحوّل بعض الفضاء الديني إلى منصات تعبئة سياسية مقنّعة، يُعاد فيها إنتاج خطاب المظلومية والاصطفاف والهويات المغلقة، ويُزرع شعور دائم بأن “الدين مهدّد” وأن الجماعة هي حاميته الوحيدة. وفي موازاة ذلك، يُستثمر العمل الخيري لبناء شبكات ولاء ونخب اجتماعية مدينة بالفضل للمنظومة ذاتها، فيتحوّل العمل الإنساني إلى استثمار سياسي طويل الأمد.
ثم تأتي المرحلة الانتخابية: تجييش تصويت كتلي، دعم مرشحين محددين، مقايضة الأحزاب على أصوات الجالية، والضغط الأخلاقي والإعلامي على السياسيين. كل ذلك يجري غالبًا ضمن الإطار القانوني الأميركي، لكنه يناقض جوهر الديمقراطية القائمة على حرية الفرد والتعدد، لا على الانضباط القطيعي.
الأخطر من البنية التنظيمية هو البنية الخطابية. فكل نقد داخلي يُوصم فورًا بالإسلاموفوبيا أو العنصرية أو خدمة أجندات معادية، ما يؤدي إلى إسكات الأصوات المختلفة داخل الجالية وترهيب الإعلاميين والناشطين. وتُستثمر القضية الفلسطينية كوقود تعبوي دائم، لا بوصفها قضية إنسانية جامعة، بل كأداة لإغلاق أي نقاش نقدي حول الإسلام السياسي وتحالفاته الإقليمية، مع تبييض صريح لجرائم ميليشيات في سوريا واليمن ولبنان وإيران تحت شعارات “المقاومة”.
الادعاء بتمثيل مسلمي ديربورن ادعاء مضلل وخطير. فالجالية شديدة التنوّع: مسلمون علمانيون، ليبراليون، محافظون غير مسيّسين، عرب مسيحيون، شيعة يخشون النفوذ الإيراني، ومهاجرون فرّوا أصلًا من حكم الإسلام السياسي. لكن هؤلاء يُهمَّشون ويُقصَون أخلاقيًا وإعلاميًا إذا خالفوا السردية السائدة. هذا ليس تمثيلًا، بل إجماع قسري باسم الدين.
ما يتشكّل اليوم هو لوبي أيديولوجي محلي كامل الأدوات، يقوم على تجييش التصويت، وفرض المرشحين، ومعاقبة المخالفين، وربط الدعم السياسي بالصمت عن الإسلام السياسي. الفرق الوحيد عن تجارب الشرق الأوسط أن المسرح هنا هو النظام الديمقراطي الأميركي ذاته.
القضية ليست محلية. أنماط مشابهة يمكن رصدها في ولايات أخرى، لكن ديربورن تمثل النموذج الأكثر اكتمالًا حتى الآن. وإذا نجحت هذه الشبكات في فرض نفسها بوصفها الصوت الشرعي للمسلمين الأميركيين، فإن الضرر سيتجاوز مدينة واحدة ليطال الاندماج الحقيقي، والتعددية المدنية، ومصداقية العمل الحقوقي نفسه.
الولايات المتحدة معنية بحماية حرية الدين، لكنها ليست مطالبة بتسليم فضائها المدني لشبكات أيديولوجية عابرة للحدود. والجالية المسلمة في ديربورن تستحق تمثيلًا تعدديًا حرًا، بلا أوصياء أيديولوجيين ولا ابتزاز أخلاقي ولا احتكار للصوت والمستقبل.


