"السعودية في حالة ارتباك إزاء ما تريده فعلاً"..

ولي العهد السعودي يمر بأوقات صعبة: "لا أثق في واشنطن والتطبيع مع إسرائيل عطلته احداث الـ7 من أكتوبر"

"إسرائيل والسعودية تتبادلان بالفعل معلومات استخباراتية وأمنية، والتطبيع قد يكون خلال سنتين، خلالها يمكن للإسرائيليين والسعوديين مناقشة شروط إقامة علاقات رسمية"

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وخلفه شقيقه وزير الدفاع خالد بن سلمان صاحب الحرب السعودية على الجنوب - أرشيف

كارين إليوت هاوس
كارين إليوت هاوس Karen Elliott House هي صحفية وكاتبة ومحللة سياسية أميركية متخصصة في شؤون الشرق الأوسط، وخصوصًا الخليج العربي والسعودية

قالت صحيفة وول ستريت جورنال الاميركية إن ولي العهد السعودي، يمر بأوقات صعبة للغاية نتيجة أن مشاريعه الطموحة الضخمة يجري إلغاؤها بعد أن تبيّن أنها غير قابلة للتنفيذ أو باهظة التكلفة في ظل أسعار نفط تدور حول 65 دولاراً للبرميل.

وذكرت الصحيفة في مقالة للباحثة كارين إليوت هاوس "أن خطر اندلاع حرب أمريكية مع إيران يضع جميع مشاريع "أبن سلمان" الكبرى الأخرى، والنفط الذي يموّلها، في دائرة خطر التعرض لعمليات انتقامية، وقد تبرز وفاة والده المسنّ الملك سلمان، الذي يعاني من اعتلال صحي، قريباً قضايا الخلافة إلى الواجهة.

وقالت الباحثة "لقد ابلغني سعوديون عاديون وأمراء ومسؤولون مقرّبون من ولي العهد محمد، خلال زيارة استمرت أسبوعين إلى الرياض، بأنه يدرك أنه تحرّك بسرعة كبيرة وسمح بإنفاق غير فعّال، وهو يركّز الآن على ميزانيات أكثر حكمة وعلى خفض مستويات الدَّين الحكومي.

"بالنسبة لأمريكية اعتادت الظهور التلفزيوني اليومي للرئيس ترامب ومنشوراته الليلية على وسائل التواصل الاجتماعي، تقول كاترين" – "من اللافت أن ولي العهد لا يخاطب مواطنيه علناً، فهو يرى أن الأفعال أبلغ من الأقوال، ولذلك لم يمنح ولي العهد مقابلة واحدة منذ أكثر من عام، في الوقت الذي أجرى ترامب فيه عشرات المقابلات في الأشهر الأخيرة، وتُرك وزير ماليته ليتولى شرح إغلاق مشروعات ضخمة مثل "نيوم"، المدينة التي كان من المخطط أن تمتد على طول 105 أميال، أو مشروع "المكعب"، ناطحة السحاب المكعّبة الشكل التي يبلغ ارتفاعها 1300 قدم وتشبه الكعبة المشرفة في مكة. 

وأضافت "لقد كان من المرتقب ان يضم "المكعب"، وهو مشروع أقرب إلى الخيال العلمي، برج مراقبة دائرياً يحوي مطاعم وعروضاً هولوغرافية تنقل الزائر إلى أزمنة وأماكن أخرى، وقد رأى المحافظون أن المشروع ينتقص من قدسية الكعبة، بينما اعترض آخرون على تكلفته باعتباره محور تطوير بقيمة خمسين مليار دولار في الرياض.

وأكد الباحثة الأمريكية أن إيران بالتأكيد مصدر القلق الأكبر لولي العهد، فقد أقام علاقات دبلوماسية مع طهران عام 2023 لحماية مشروعاته الكبرى، مثل منشأة نفطية سعودية ضخمة تعرّضت لهجوم من وكلاء موالين لإيران عام 2019، ما عطّل الإنتاج السعودي لأسبوعين، وكان محمد بن سلمان قد قال لي آنذاك إنه لا يثق بأن الولايات المتحدة ستحمي السعودية، ولذلك كان بحاجة إلى خفض التوتر مع إيران".

وتابعت "هو اليوم يضاعف جهوده لضمان ألا تُقدم إيران على ضرب المملكة مجدداً، فهو يقول علناً بأنه لن يتم السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها في البلاد أو حتى استخدام الأجواء السعودية لشن هجوم على إيران، وهذا لا يعني أن الرياض لا تدعم الولايات المتحدة أو أنها لم تتضرر من إيران؛ لكن أولويتها تبقى حماية المملكة من أي هجوم إيراني أو أعمال انتقامية أخرى".

وأكدت أن المملكة في حالة ارتباك إزاء ما تريده فعلاً، فالمسؤولون يشعرون بالقلق من تهديدات ترامب المتذبذبة بضرب إيران، وقد حذّر وزير الدفاع السعودي مؤخراً في واشنطن من أن عدم توجيه ضربة لإيران سيؤدي إلى "تشجيع" النظام الإيراني، ولكن حكومته تصر على أنها لا تريد أي ضربة، وقد يكلّف هذا الارتباك، إلى جانب رفض السعودية استخدام أراضيها لضرب إيران، المملكة ثمناً عندما ينظر الكونغرس في صفقات تسليح مستقبلية".

وقالت إن الاستقرار الإقليمي هو ما يسعى إليه ولي العهد قبل كل شيء، كي يتمكن من دفع عجلة التنمية في الداخل ونشر الازدهار في الدول المجاورة، حيث تُعدّ سوريا هدفاً رئيسياً للدعم السياسي والاقتصادي السعودي الآن بعد تراجع النفوذ الإيراني فيها، فقد تعهّد ولي العهد بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار البنية التحتية التي دمّرتها حرب أهلية طويلة، وأقنع الرئيس ترامب بلقاء الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع".

وقالت إن دعم سوريا، وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، والسعي إلى الوئام مع الدول المجاورة، كلها سياسات تحظى بتأييد السكان السعوديين الشباب، أمّا الاعتراف بإسرائيل فلا يحظى بهذا التأييد، لكن لا يزال هذا الملف قريباً من صدارة قائمة أولويات ولي العهد، فإسرائيل والسعودية تتبادلان بالفعل معلومات استخباراتية وأمنية، لكن إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين الدولة اليهودية وحارسة أقدس موقعين في الإسلام ستشكّل تحوّلاً جذرياً في سياسات الشرق الأوسط. 

وأكدت الباحثة أن "محمد بن سلمان كان مستعداً للاعتراف بإسرائيل قبل هجوم حماس في أكتوبر 2023، وهو لا يزال يعتقد أن إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل قد تصبح ممكنة خلال فترة تتراوح بين عامين وخمسة أعوام، لكن يجب أولاً إعادة إعمار أجزاء من غزة، بحيث يتمكّن بعض الفلسطينيين من الانتقال من واقع الدمار إلى حياة أفضل، ومع بدء هذه العملية، يمكن للإسرائيليين والسعوديين مناقشة شروط إقامة علاقات رسمية". 

وقالت "على الرغم من أن ولي العهد أصرّ على إنشاء دولة فلسطينية كشرط مسبق، فإن بعض المراقبين يقولون إنه قد يكتفي بوجود "مسار واضح" نحو ذلك الهدف، يحتاج ولي العهد إلى تقديم تنازل ما ليتمكّن من المضي قدماً، مع معارضة نحو 90 في المئة من السعوديين للاعتراف بإسرائيل، غير أن المجتمع السعودي اعتاد طاعة الحاكم ولا يتمتع بحرية سياسية للتعبير عن المعارضة، ما يعني أن بإمكانه الاعتراف بإسرائيل متى رأى أن الوقت مناسب".

وقد انضم ولي العهد إلى «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس ترامب للإشراف على مرحلة انتقالية في غزة، ويضم المجلس أيضاً رئيس الوزراء الإسرائيلي، وهو ما يسهّل على ترامب، الساعي دوماً إلى نيل الاعتراف بإنجازات في صنع السلام، دفع الزعيمين نحو تحقيق اختراق دبلوماسي.

ولفت الباحثة إلى أمكانية سيصبح محمد بن سلمان ملكاً عندما يتوفى والده البالغ من العمر تسعين عاماً، وقد أعرب أمراء من الأسرة الحاكمة عن أملهم في أن تتم عملية الخلافة بهدوء، رغم استياء بعضهم من قيام محمد بن سلمان بتهميش عدد من الأمراء وسجن آخرين عام 2017 في فندق "ريتز كارلتون" لترسيخ هيمنته على أسرة آل سعود".

ورجحت الباحثة أن تكون وفاة الملك سلمان وتتويج الملك محمد حدثين هادئين بقدر ما كانت وفاة الملك خالد عام 1982 وصعود الملك فهد إلى العرش، فقد كان ولي العهد فهد يمارس السلطة الكاملة كما هو حال محمد بن سلمان اليوم،، ولذلك كانت خلافته إجراءً شكلياً، وما يشغل السعوديين الآن هو معرفة من سيكون ولي العهد القادم، وهو قرار سيعود تحديده إلى محمد بن سلمان إلى حدّ كبير.

وكارين إليوت هاوس هي ناشرة سابقة لصحيفة وول ستريت جورنال ومؤلفة كتاب «الرجل الذي سيصبح ملكاً».