احتجاجات جنوبية ضد الوصاية..

تشكيل حكومة يمنية في الرياض يعيد فتح أسئلة العلاقة بين القرار السعودي والجماعات المتطرفة

قوات «درع الوطن» الممولة سعوديًا نفذت اعتقالات بحق متظاهرين جنوبيين، ونقلتهم إلى سجن سعودي في مدينة شرورة، تمهيدًا لمحاكمتهم على خلفية اتهامات تتعلق بالإساءة لرموز سعودية

عينت السعودية العقيلي وزيرا للدفاع الأمر الذي اعاد الجدل حول نفوذ الإخوان في المؤسسة العسكرية - مركبة

المكلا

أعلنت المملكة العربية السعودية، مساءً، عن تشكيل حكومة يمنية جديدة في العاصمة الرياض، تضم خليطًا من قوى سياسية محلية مناهضة للمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي حاولت الرياض حله في منتصف يناير الماضي. وتقول السعودية إن هدفها من خطوة “حل” المجلس الانتقالي هو القضاء على مشروع الانفصال، وفق تصريحات أدلى بها وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وقالت وسائل إعلام يمنية إن وزير الدفاع المعين من قبل الادارة السعودية اللواء طاهر العقيلي، مرتبط بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وان نجله اسامة نفذ هجوما انتحاريا ضد مواقع للجيش لمصلحة تنظيم القاعدة.

 تداول ناشطون يمنيون على منصات التواصل الاجتماعي، من بينهم الصحفي أحمد الأشعف، اتهامات تقول إن وزير الدفاع في الحكومة اليمنية الجديدة، له صلات بتنظيم القاعدة.
ولم تصدر أي بيانات رسمية تؤكد هذه الادعاءات، كما لم تنشر وسائل إعلام مستقلة تحقيقات موثقة تدعمها حتى الآن.
ويأتي تداول هذه الاتهامات في سياق جدل سياسي واسع حول تشكيل الحكومة في الرياض، ودور السعودية والولايات المتحدة في اختيار بعض الشخصيات، وسط مطالبات بفتح تحقيقات مستقلة وشفافة حول السجل الأمني للمسؤولين المعينين.

وبحسب روايات غير رسمية متداولة، جرى استقطاب العقيلي مبكرا من قبل ضباط شاركوا في القتال بأفغانستان وعادوا لاحقا إلى اليمن أواخر ثمانينيات القرن الماضي،.

وتتحدث مصادر سياسية عن علاقات وثيقة ربطت العقيلي لاحقا بقيادات في حزب الإصلاح (إخوان اليمن)، بينها عبد المجيد الزنداني. وفي هذا الإطار، تُتداول مزاعم عن عمل نجله الأكبر ضمن دائرة الحراسة الشخصية للزنداني لفترة، دون صدور توضيحات رسمية تؤكد أو تنفي ذلك.

وقالت وسائل إعلام محلية أن نجل العقيلي التحق بتنظيم تنظيم القاعدة في محافظة البيضاء عام 2014، وقُتل لاحقا في هجوم استهدف نقطة عسكرية في رداع. هذه المزاعم لم تُدعّم بتحقيقات صحفية مستقلة منشورة، ولم تصدر بيانات رسمية تؤكد تفاصيلها، كما لم تُنشر وثائق قضائية يمكن التحقق منها.

وتذهب بعض الروايات إلى القول إن التحاق النجل بالتنظيم تم بعلم أسرته أو محيطه الديني، وهي ادعاءات محل نزاع ولم تثبتها مصادر مستقلة. ويؤكد خبراء إعلام أن التعامل المهني مع مثل هذه المزاعم يقتضي الفصل بين ما يُتداول سياسيا وبين ما هو مُثبت بالأدلة.

تعيين أن تعيين العقيلي أعاد إلى الواجهة نقاشا أوسع حول إعادة تموضع تيارات سياسية داخل مفاصل الدولة، وحدود الفصل بين الخلفيات الحزبية وإدارة المؤسسات السيادية. 

وفي المقابل، أضرم محتجون غاضبون النار في صور للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده محمد بن سلمان في منطقة وادي حضرموت، تنديدًا بما وصفوه بالقصف العسكري السعودي الذي نُفّذ مطلع يناير المنصرم، وقالوا إنه تسبب بمقتل وجرح عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال.

وفي محاولة لتهدئة الشارع الجنوبي، دعت الرياض إلى حوار جنوبي، إلا أن هذا المسار تعثر أكثر من مرة. وتقول مصادر سياسية لـ«اليوم الثامن» إن الحوار أُجِّل إلى ما بعد عيد الفطر، للنظر في إمكانية عقده، مشيرة إلى أن السعودية تشترط عودة الحكومة التي شكّلتها إلى عدن قبل المضي في أي حوارات سياسية. ووفق هذه المصادر، فإن عدم عودة الحكومة يعني عمليًا عدم فتح أي نقاشات تتعلق بالقضية الجنوبية.

وفي هذا السياق، تلوّح الرياض، بحسب ما نقل صحافي سعودي مقرّب من مكتب وزير الدفاع خالد بن سلمان، بخيار إعادة تقسيم الجنوب إلى إقليم حضرموت والمهرة، مقابل بقية محافظات جنوب اليمن.

واختارت السعودية عددًا من القيادات السابقة في المجلس الانتقالي الجنوبي لتولي حقائب وزارية في الحكومة الجديدة، في محاولة لامتصاص حالة الغضب الشعبي في الشارع الجنوبي. وبالتزامن مع ذلك، وجّهت أطراف موالية لها لإطلاق حملات إلكترونية مناهضة للتظاهرات الغاضبة التي تشهدها مدن جنوبية، كان آخرها في ردفان بمحافظة لحج، وسيئون بمحافظة حضرموت.

وشهدت المدينتان تظاهرات حاشدة رفع خلالها المحتجون لافتات ترفض الوصاية السعودية على الجنوب، فيما أقدم متظاهرون غاضبون على تمزيق صور للملك سلمان بن عبدالعزيز ونجله ولي العهد محمد بن سلمان.

وفي تطور أمني لافت، أفادت الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي الجنوبي بأن قوات «درع الوطن» نفذت، فجر الأحد، عملية مداهمة لمنزل الناشط الجنوبي ناصر بن شعبان في منطقة بور بمديرية سيئون، أسفرت عن اعتقاله واقتياده إلى جهة غير معلومة، بحسب بيان صادر عن الهيئة.

وقالت مصادر أمنية محلية لـ«اليوم الثامن» إن عناصر من قوات درع الوطن، الممولة سعوديًا، اعتقلت عددًا من المتظاهرين الغاضبين، وقامت بنقلهم إلى سجن سعودي في مدينة شرورة، تمهيدًا لمحاكمتهم على خلفية ما قيل إنه «إساءة لرموز سعودية».

ورفضت منظمة محلية ممولة من السعودية التعليق على هذه الاعتقالات، في حين تقول مصادر جنوبية إن جنودًا من القوات المسلحة لا يزالون محتجزين في سجون سرية سعودية داخل قاعدة شرورة العسكرية، وهو ما تعتبره هذه المصادر مؤشرًا على سعي الرياض لإخماد أي مواقف مناهضة للوصاية السعودية على الجنوب.

وقالت الهيئة التنفيذية إن عملية المداهمة رافقها ترويع لأفراد الأسرة، معتبرة أن ما جرى يمثل تصعيدًا خطيرًا في التعامل مع النشاط السياسي السلمي، ويعكس – وفق توصيفها – توجهًا لاستخدام القوة الأمنية لإسكات الأصوات المطالبة بحقوق الجنوب السياسية.

وأضاف البيان، الذي حصلت «اليوم الثامن» على نسخة منه، أن اعتقال بن شعبان جاء على خلفية مشاركته في قراءة بيان المسيرة الجماهيرية التي شهدتها مناطق جنوبية يوم الجمعة الماضية، معتبرًا ذلك «انتهاكًا صريحًا لحرية التعبير والعمل السياسي»، ومحاولة للضغط على الحراك الشعبي المطالب باستعادة دولة الجنوب.

وأكدت الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت أن استمرار هذه الإجراءات من شأنه تعميق حالة الاحتقان الشعبي، محذّرة من أن اللجوء إلى المعالجات الأمنية في مواجهة مطالب سياسية سلمية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.

ودعت الهيئة إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن ناصر بن شعبان، وجميع المعتقلين على خلفيات سياسية، مؤكدة أنها ستقف إلى جانب أي تحركات سلمية تقرّها الجماهير الجنوبية للتعبير عن رفضها لهذه الممارسات.

كما جدّدت الهيئة التزامها بما وصفته بـ«قضية شعب الجنوب»، مؤكدة تمسكها بالمسار السياسي تحت قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، ومشددة على أن محاولات التضييق أو القمع لن تثنيها عن مواصلة العمل لتحقيق أهدافها السياسية.

وفي تعليق لافت، تساءل الصحفي والمحلل السياسي الصوماليلاندي يوسف عبدي جبوبه عن المدة التي سيواصل فيها العالم «التظاهر بأن أفعال السعودية في جنوب اليمن ليست سوى احتلال متهور من قبل قوة محتلة يزداد ارتباكها». وقال إن الرياض، باستخدام طائرات أمريكية واستقدام قوات مرتبطة بحزب الإصلاح المتحالف مع جماعة الإخوان المسلمين من شمال اليمن، تحاول قمع تطلعات شعب يطالب باستعادة دولته المستقلة.

وأضاف جبوبه، في تصريح لـ«اليوم الثامن»، أن العمليات الجوية السعودية شلّت فعليًا المجلس الانتقالي الجنوبي، واصفًا إياه بالقوة الوحيدة التي تواجه بفاعلية كلاً من الحوثيين وتنظيم القاعدة في اليمن.

ولفت إلى أن ما يجري لا يحدث في منطقة هامشية، إذ يسيطر الجنوب، إلى جانب صوماليلاند على الضفة المقابلة، على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، باب المندب، الذي يشكّل بوابة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، وشريانًا حيويًا للتجارة العالمية وتدفقات الطاقة والاستقرار الإقليمي. واعتبر أن ترك هذه المنطقة «رهينة للسياسات السعودية يمثل كارثة استراتيجية».

وختم جبوبه بالقول إن على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، «بخبرته الفريدة في عقد الصفقات واستخدام النفوذ الاستراتيجي، أن يتدخل لمساعدة السعوديين على تفادي انهيارهم الذاتي، والتوجه نحو مخرج يحفظ ماء الوجه».