أدب وثقافة

قصة قصيرة..

الأستاذ عبدالجبار.. المعلم الهندي في العاصمة عدن

الوقت السبت 04 ديسمبر 2021 11:29 ص
الأستاذ عبدالجبار.. المعلم الهندي في العاصمة عدن

اليوم الثامن مقاهية شعبية في العاصمة عدن - أرشيف

في الركن الأخير من المقهى ... نظرت اليه كانت يديه ترتعش وهو يحاول أمساك فنجان الشاي بقضته يده ...
 كنت كمن ينبش بقايا صور قديمة .. ولكنها  عالقة في الوجدان .. عرفت وجه وان بدأ  كبير في السن 
.. وأخذ  الزمن الكثير من ملامح وجه، وبانت عليه التجاعيد في رقبته  المتدلية من تحت دقنه الامرد من الشعر .. كانت  لحظات قليله ، وأنا أراقب الرجل ،حتى سأل ابني الصغير الجالس بجانبي  اتعرفه يا أبي ..؟ قلت نعم ..!  انه الأستاذ عبد الجبار مدرس اللغة الإنجليزية .. فصرت مثل كتاب قديم ، وانا اقلب في صفحاته اعيد فيها  السنوات التي مضت، او التي لم أكن فيها شيء.. كان مثل الظل الذي  يتبعه ضوء قادم من بعيد.. وهو ينهش مخيلتي. لذكريات الطفولة. وهي أسعد سنوات العمر التي قضيتها من حياتي في عدن.. ايام الدراسه في مدرسة النهضة الاعدادية للبنين  في الشيخ عثمان .. ولازلت اذكر المدرسة و الأستاذ عبد الجبار مدرس اللغة الإنجليزية.. او كما كانوا يسمونه الطلبة الاستاذ تختخ ..  شخصية خياليه من سلسلة روايات المغامرون الخمسة ... كنا نقرأها ونتداولها. نحن الطلبة في ذلك الوقت ...
عبد الجبار من أصول هنديه من ابناء عدن ، والأستاذ عبد الجبار عكس اسمه ، فهو لا يحمل من اسمه شيء في شكله ، كان يدخل الفصل ، بنظارة سوداء مقعرة سميكة ، تأخذ الكثير من ملامح وجه الأسمر  وأنفه الصغير ، وشاربه القصير مثل ذيل الفأر ، كان يثير الضحك والسخرية، وشعر اسود مدهون بالزيت، فتشم رائحته الممزوجة بالعرق وهو ينصب فوق جبهته ،و مسدول بعنايه فائقة ، إلى الخلف يغطي صلعة بيضاء في وسط رأسه ، كان قصير القامه بجسم نحيل ، مثل هيكل عظمي ملفوف بقميص وبنطال طويل ، تراها معلقة فوق جسمه النحيل ، يخيل اليك انك تسطيع عدد العظام من تحت جلدة صدره العاري من فتحة القميص ... وحذاء اسود كبير ، فوق ساقاه النحيلتين مثل أعواد القصب ، لكنه كان نشط ويتحرك في ارجاء الفصل مثل النحلة ، وبين فترة وأخرى ، يشد من سرواله المترهل الى دائرة خصره الغائر جوف بطنه ، و احيان يظل ممسك به حتى انتهاء الحصة ... 
لكنه كان رحيم جدا ..  طيب القلب ، لم يعاقب احد منا. رغم مايعمله الطلبة أثناء حصته ، خاصة أصحاب المقاعد الخلفية ، فهم اكثر الطلبة شقاوة ، من الذين يجلسون في المقدمة ، فكانوا يرمون عليه اصبع الطباشير وأوراق صغير ملفوفة ، كان يتغافل عنها وإحيان كان يشاهد من يرمي ، فيستمر في شرح الدرس بصوت قوي جهور ، حتى يسيل لعاب ريقه من فمه ، مثل رغوة الصابون ، بين أسنانه الصفراء ، من أثر التدخين ....
 وكثيرا ماكان يحدثنا عن حياته الشخصية ، وعن زواجه وليلة الدخلة .. وانه كان ساذج ولا يعرف لو تدخل والده ، وقال له ماذا يفعل ، ثم قال أن الزمن الآن تغير ، يوجد تلفزيون وسينما ، اصبحتم تعرفون كل شيء ، قال لنا انتم الآن في اعدادي ، أصبحتم رجال وبالغين و أعلم أنكم تذهبون إلى مدرسة البنات المجاورة لنا ، اثناء الفرصة ، وتتسلقون السور لأجل مشاهدة البنات .. فكنا نخجل من كلامه  ثم نضحك .. فهو الوحيد من المدرسين .. الذي يتحدث معنا في امور و مواضيع  كثيرة غير الدرس ، مواضيع ثقافيه وعلميه ، وعن اشياء كثيره لم نكن نستوعبها جيدا في ذلك الوقت ..
قد أضاء عقولنا بحديثه معنا .. عرفنا منه أمهات الكتب والمفكرين .. كان موسوعة ثقافيه ، لازلت اذكر حديثه عن الحرب الباردة بين أمريكا وروسيا ، وشرح لنا ماذا تعني الرأسمالية والاشتراكية .. وعن واكتشاف قبور الفراعنة في الاهرامات والمومياء ، والعقاد وطه حسين .وتولستوي وهمنجواي ومحمود درويش ونزار قباني .. والسينما وعمر الشريف واخر فيلم شاهده ... تعلمنا منه الكثير... في المدرسة كان هو المسؤول عن إعداد المسابقات الفكرية بين الطلبة... وهو من ينظم الرحلات المدرسية ، وزيارة المصانع والمتحف العسكري ، ومطار عدن ، ومصافي عدن ، كان طاقه من النشاط والإبداع ، في آخر السنه الدراسية ، كان هو المسؤول عن المهرجان الرياضي والفني للمدرسة.
كان جبار بثقافته ، وجبار في نشاطه المتواصل ، وفنائه وحبه للطلبة ، لهذا ظل الأستاذ عبد الجبار راسخ في ذاكرتي، رغم السنوات لازلت اذكر حين أسند لي دور أنطونيو ، في مسرحية تاجر البندقية  لوليم شكسبير ، و كنت خائف ان أمثل الدور، لكنه هو من اقنعني ان أمثل ذلك الدور، فتغلبت على خجلي واستعدت ثقتي بنفسي ،وأحسست بأني شىء كبير ومهم ... 
كم انت جبار .. ياعبدالجبار ..! وحين رأيته جالس منطوي لوحده في ركن المقهى ، مثل شيخ هرم وكبير في السن .. فقمت من مقعدي و ذهبت إليه ، وسلمت عليه وعرفته بنفسي ،  فلم يتذكرني ، اخذ نفس عميق من سيجارة  بيده وهى تهتز ، قال أن المعلم احيان قد لا يتذكر طلبته ، ولكن الطلبة عادتا، هم من يتذكرون معلمهم ، فاعذرني يابني ان لم أتذكرك ، ولكن يكفي انك تذكرني.. ولكني قلت له من انا واني فخور بك .. وفخور انك كنت معلمي .. ثم تركته ودعته متمنيا له السلامة والعمر الطويل .. ثم توجهت إلى ابنى ومضينا نمشي .. وانا احدث نفسي ..  هل سيجد ابني معلم في مدرسته مثل عبدالجبار.

التعليقات

الصورة

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5e85af3b6fb37.png

الاعداد السابقة