مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات..

الفنون الجنوبية بين الهدف والاستهداف.. من النشأة إلى التدمير "المسرح في عدن نموذجًا"

لم يعد لنا اليوم من المسرح ما كان ينبغي أن يكون عليه الحال من التطور والانتشار وما يحتاج إليه من بنية ماديةً ومعنويةً، فطمس كل شيء، وكأنه قد بلغ النهاية ليعود إلى البداية، وهو في حقيقة الأمر أوقف قسرًا، وهو ما زال في بدايات مدارج التطور والازدهار

مشهد من مسرحية التركة الشهيرة في العاصمة عدن

د. سالم الحنشي
مدير تحرير مجلة بريم الصادرة عن مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات
عدن

الملخص: تهدف هذه الدراسة لمعرفة مسار الحركة الثقافية الفنية في الجنوب، من النشأة حتى التدمير، ومحاولة الوقوف على الفن المسرحي الذي كان رافدا مهما في تطور الوعي الثقافي وتنمية الشخصية الوطنية وتقدم وعيها بأهمية الحياة والنظام والعدل والأمن والاستقرار، وفي سبيل كشف أغوار ذلك الهدف التي تضمنته الدراسة، اعتمدت المنهج التاريخي الاستقصائي يرافقه المنهج الوصفي لمسار المسرح بجميع أنواعه في مدينة عدن، وقد تتوقف أمام تاريخ النشاط المسرحي، وأهميته، وأنواعه، منذ الإرهاصات الأولى مرورًا بالتبلور والنضج، والكبوات، حتى تم استهدافه بشكل ممنهج ومدروس من قبل نظام الاحتلال بعد عام 1994م، وما يشهده حاليًا من محاولات انعاشية، وما يجب أن يتم أمام هذا الفن لإعادة نشاطه ودوره الريادي التوعوي للشعب.

وقد توصلت الدراسة لعدد من النتائج والتوصيات:

الكلمات المفتاحية: الفنون الثقافية – المسرح – 

__________________________________________________

المقدمة: يعدُّ الفن تعبيرًا عن رقي الشعوب ومدى حضارتها وتطورها وما بلغته من ثقافة عالية؛ ولهذا قيل: أعطني مسرحًا أعطيك شعبًا واعيًا. ما يعني أن الفن رافد مهم في تطور الشعوب وتقدمها، ووعيها بأهمية الحياة والنظام والعدل والأمن والاستقرار، وهي المقومات التي ينتعش الفن بكافة أشكاله وأنواعه في ظلها، ويعمل على ترسيخها في المجتمعات، إذ رسالة الفن ليست المتعة فحسب بل الإفادة أيضًا.

وقد كان الشعب الجنوبي سباقًا في هذا الاتجاه، فشهد تطورًا ملموسًا في عدة أنواع فنية تشهد الأطلال والذكريات التي تحتاج إلى التدوين والكتابة عنها؛ على ذلك، فكان شعب الجنوب سبَّاقًا إلى وجود مسارح الفن الشعبية والرسمية، ودور السينما التي وصل الحال ببعضها إلى تبادل نوبات القائمين عليها، وحضور الجمهور في الأوقات المختلفة في مسار النهار والليل في اليوم الواحد، وتشكيل الفرق الغنائية، والفرق التمثيلية والمسرحية، والأهم بذلك كلّه اتخاذ ذلك نهج حياة من خلال إدخال مادة الموسيقى والفنية ضمن مقررات المواد المدرسية، وإيجاد مدرسين مختصين فيها، ووضعها ضمن جدول الحصص اليومية في الدوام المدرسي.

لقد عرف الجنوب العربي المسرح بوصفه فنًا يتميز بخصائص وعناصر محددة ويحتاج إلى مقومات، منذ زمن مبكر مقارنة مع غيره من بلدان الجزيرة العربية، ويعود تاريخ تمثيل أول مسرحية في العاصمة عدن أولى مدن الجنوب التي عرفت هذا الفن، إلى ما يزيد عن قرن وعشرين عامًا، وتحديدًا إلى عام 1904م، ويرجع ذلك إلى النافذة البحرية التي تطل عليها هذه المدينة، فجعلتها في عملية مثاقفة، اتصال وتواصل بشكل دائم مع كل من يقتحم البحر، راكبًا للتجارة أو السياحة أو الاستكشاف أو الغزو...  ويريد الانتقال من غرب الكرة الأرضية إلى شرقها أو العكس، إذ جعل مضيق باب المندب هذه المدينة ذات موقع استرتيجي بالغ الأهمية، يحط فيها الرحال كل مار بهذه البحار، بعد قطع المسافات الطويلة بين الأمواج المتلاطمة، للراحة والتزود بالوقود والمؤن التي يحتاج إليها في مواصلة سفره البحري، وبقدر ما تمنح الواصل إليها من البحر مما تجود به ماديًا ومعنويًا تأخذ منه وتستفيد مما يتزود به.

وأكثر من ذلك فسماحة هذا الشعب وطيبته ووجدانه الطافح جعله مسرحًا عامًا لممارسة كل أشكال الفنون وتقبلها، وحتى بعد الاستقلال من الاحتلال البريطاني استمر بهذا المسار والتوجه العام مع كل الفنون، وإن وجد تدخل من قبل النظام القائم سوى في عهد الاحتلال أو بعده، فهو في توجيه مضامين النصوص المرافقة لأشكال الفنون التي قد تتعارض مع توجهات وتطلعات الإيديولوجيا المنفتحة أصلًا على انتشار الفنون وتطور مساراتها العامة فضلًا عن مساحات ممارساتها، لكن هذا التاريخ المبكر لمعرفة الفنون عامةً والمسرح خاصة لم تدعه التقلبات والتحولات التي شهدتها هذه الأرض.

ولا نبالغ إذا قلنا إن الجنوب كان مسرحًا فنيًّا في الهواء الطلق متاحًا أمام الجميع بمشاهدته وأخذ الدور فيه، فيستطيع أي شخص أن يكون بطل المسرح الوطني الشعبي حيثما حلَّ أو رحل في جغرافية الجنوب العربي، إذ كانت المناسبات في القرى والأرياف تتحول إلى أهازيج وزوامل وشروح ورقصات مختلفة عامة وخاصة بحسب النوع والفئات العمرية، وكذلك الحال في المدن بإقامة المخادر والحفلات الفنية في الشوارع وبجانب المنازل والممرات الداخلية في الأحياء.

  • إشكالية البحث:

لم يعد لنا اليوم من المسرح ما كان ينبغي أن يكون عليه الحال من التطور والانتشار وما يحتاج إليه من بنية ماديةً ومعنويةً، فطمس كل شيء، وكأنه قد بلغ النهاية ليعود إلى البداية، وهو في حقيقة الأمر أوقف قسرًا، وهو ما زال في بدايات مدارج التطور والازدهار، وأعيد إلى نقطة البداية بسب وقفات تاريخية تكتب بأحرف أشد قتامة من ظلمات الليل الحالك في حياة هذا الشعب الذي جعله هذا الموقع الجغرافي المميز محل أطماع وتنافس من الأقارب والجيران قبل البعيدين عنه ومن هم وراء البحار والمحيطات، وما زال يعاني حتى اليوم، وهذه الوقفات ليس أولها وحدة عام 1990م، ولا آخرها حرب غزو الجنوب الأولى عام 1994م من قبل الشريك في وحدة الغدر والخيانة والسعي الدؤوب إلى تغيير كل جميل في هذه الأرض، وهدم ما عمره الإنسان الجنوبي من بنى تحتية وفوقيه، وبشكل ممنهج ومدروس ورعاية رسمية من أعلى هرم سلطة الاحتلال، وعلى مدى ربع قرن من الزمن؛ ليجدد حرب ترسانته العسكرية في 2015م، وما زالت أفواه أسلحته بجميع أحجامها مشرعة على الجنوب الأرض والإنسان حتى اللحظة، فضلًا عمّا جلبته تلك الممارسات الهوجاء بحق الجار بالجنب من طامعين كثر اليوم قريبين وغرباء، كل واحد منهم يشحذ شفرته للاجتزاء ما يمكنه أن يجتزئه من جسد هذا الوطن ماديًا ومعنويًا.

  • أسئلة البحث:

تمثلت الإشكالية في موضوع دراستنا، الفنون الجنوبية بين الهدف والاستهداف من النشأة إلى التدمير، وكانت هذه الإشكالية الأساسية التي انبثقت منها هذه الدراسة؛ لتحاول الإجابة عمًا يتبادر منها من أسئلة، أهمها:

  1. متى عرف شعب الجنوب عامةً وعدن خاصة المسرح بوصفه فنًا؟
  2. كيف كانت معرفة هذه المدينة بهذا الفن؟
  3. هل تقبلت هذه المدينة هذا الفن؟
  4. هل عملت على انتشار وتطوير هذا الفن وتفرعه؟
  5. ما هي المحطات التي تعرض لها هذا الفن إلى الانتكاس الذي وصل إليه اليوم؟

 

  • أهمية البحث: 

إن الأهمية التي يحتلها فن المسرح في حياة الشعوب، ومساره في تاريخ شعب الجنوب، وحاله الذي وصل إليه اليوم من شبه عدم وجود.

  • د. سالم  الحنشيث

وللإجابة عن إشكالية الدراسة وعمّا تفرع عنها من أسئلة أخرى، ستسير وفق المنهج التاريخي الاستقصائي يرافقه المنهج الوصفي لمسار المسرح بجميع أنواعه في مدينة عدن، وستتوقف أمام تاريخ النشاط المسرحي، وأهميته، وأنواعه، منذ الإرهاصات الأولى مرورًا بالتبلور والنضج، والكبوات التي تعرض لها هذه الفن من حين إلى آخر، حتى تم استهدافه بشكل ممنهج ومدروس من قبل نظام الاحتلال بعد عام 1994م، وما يشهده حاليًا من محاولات انعاشية، وما يجب أن يتم أمام هذا الفن لإعادة نشاطه ودوره الريادي التوعوي للشعب.

التمهيد:

يعرف فنّ المسرح بأنّه أبو الفنون، وذلك لأنّه أوّل أنواع الفن، ولقدرته على توظيف كل الأشكال التعبيرية المعروفة، من رقص وموسيقى وشعر ورسم. وقد بدأ فن المسرح منذ أيّام الإغريق والرومان، وقد اشتهر فن المسرح لما كان له من أثر على النفوس، فهو في ذلك الوقت الوسيلة الوحيدة التي يعبر الإنسان فيها عمّا يجول في خاطره وداخله، فهو شكل من أشكال التعبير عن العواطف والمشاعر الإنسانية وعن آراء المجتمع وفلسفته، وأصبح له دور مؤثر وفاعل في مشاكل المجتمع وهمومه؛ لهذا استطاع المسرح بوصفه فنًّا وأدبًا أن يتشكّل وينمو ويضرب بجذوره منذ القديم في الأعماق الذهنية والنفسية والأرضية التاريخية والثقافية والاجتماعية في الجنوب، ويتجلى في تلك العروض الخاصة التي ترافق الاحتفالات الاجتماعية والجماعية كالزوج ومراسيم اللقاءات القبيلة، والمهرجانات، والمناسبات... إلخ.

والمسرح أداة حضارية في تاريخ شعوب العالم، وفي تشكيل وتطوير ذهنية المجتمعات ومساعدتها على إعادة صياغة حياتها بشكل يتناسب مع آمالها وتطلعاتها المستقبلية، وهو أداة تواصل مع التاريخ والعصر وحاجة ثقافية مطلوبة للمجتمع، وظاهرة يسأل عنها إذا ضعفت أو اختفت، ويدافع عنها ويقاوم من يحاول إعاقة خطاها ويعرقل امتدادها وانتشارها؛ ولهذا خصص له يوم(27 مارس) من كل عام، للاحتفال به على مستوى العالم.

ويُعدُّ المسرح أبو الفنون الجميلة وأحد أعمدة الحضارة الإنسانية المتعاقبة منذ فجر التاريخ، ويتمتع بالقدرة على الموالفة بين عناصر فنية متعددة حيث كانت المسارح هي الوسيلة الوحيدة للتعبير؛ لذلك فالمسرح هو بيت من بيوت الفن الذي يمكن من خلاله توصيل رسائل هادفة للمجتمع بشكل مباشر لاسيما المسرح التفاعلي.

فهو أبو الفنون كلها إن لم يكن هو كل الفنون المتعارف عليها؛ لأن المسرح يمتلك خصائص ومميزات عدة أهمها التفاعل الإنساني الذي يرتكز على القدرة العالية في الأداء الدرامي الراقي وحنكة واقتدار تلقي المشاهدين وإعجابهم وتأثرهم بما يقدم لهم على خشبة المسرح، وعملية الوقوف على خشبة المسرح ليست بالعملية السهلة، فهي عملية طويلة من المران والتدريب والشجاعة وحب فن التمثيل المسرحي، فضلًا عن امتلاك ناصية الثقافة والمعرفة، وهذه جميعها تمثل مواهب ذات قدرات لا يستهان بها.

والمسرح هو الوجه الأخصب من بين بقية وجوه الفنون الأخرى، بل يُعَد في الآن ذاته أنضج الفنون وأولَّها ظهورًا منذ عهد الإغريق، وبالمسرح يقاس مدى رقي المجتمعات أو تعثرها، وأساس المسرح "الحوار" لا السرد أو الغنائية... وعند الحديث عن المسرح العربي يطل السؤال الأهم، هل ثمة حوار حقيقي في العالم العربي؟

يتبادر هذا السؤال؛ لأن العربي لا يتقن الحوار، وليس معهودًا عنه، وهو بطبعه متأهبٌ للنـزال مستمتعٌ بالضجيج، وهذا انعكاس لما يتلاءم مع أجواء الحرب والصحراء، والمسرح الهادف لا ينمو في الصحراء، التي يظل الإنسان بثقافته وحضارته ملازمًا لها، ولا يريد أن يضفي تدخلاته العقلانية الموضوعية عليها.

والمسرح من شأنه الاعتناء بتفعيل الحوار بين الشخصيات فهي(تتحاور/ تتلقى) فيما بينها بقصد إيجاد الوسائط المتعددة للتواصل مع الآخر، بينما العقليَّة العربية تأبى الحوار والتلقي، وترى فيهما قيمتين سلبيتين لهما صلة بالأنثى التي يراها إناءً لتلقِّي ماء الذكر ومحاورة أعضائه الضامرة.

ولم نكن يومًا مضطرين لاختراع مواعيد للحوار؛ لأن البشر لا يكفون عن الكلام، عن تكليم بعضهم بعضًا، هم يتكلمون من الصباح إلى الليل في كل يومٍ من أيام الحياة، ولكنهم لا يتحاورون إلاَّ في الظاهر، أما في الحقيقية فكل منهم يكلِّم نفسه ويستمع لصوته، إذا استعمل اللغة فهو لا يستعملها ليتحاور مع غيره ولكن ليعبِّر بها عن أفكاره ورغباته ونوازعه، وإن أقدمَ على فعلٍ فهو لا يُقْدم عليه من أجل غيره ولكن من أجل نفسه، ولو كرّسوا التحاور بينهم - وهذا ما يسعى المسرح إلى فرضه- وسَمِعَ بعضهم بعض؛ لتغير حالهم إلى وضع أفضل مما هم عليه.

وعناصر المسرح توجد في الأدب والفلكلور الفني كالأساطير والحكايات الشعبية، والنكات، والأمثال، والألغاز، والاحتفالات الشعبية بالمناسبات المختلفة، والأهازيج، والزوامل، والموسيقى المتنوعة، وفنون المحاكاة، والحكواتي(الراوي)، والكوميديا الشعبية المرتجلة، ومسرح خيال الظل، والعرائس، وكل ما تحفل به البلدان من فنون شعبية، وهي لا تحتاج إلا إلى الاستفادة منها وبلورتها، والنهج على ما فيها من درامية وحوار لإنتاج نصوص مسرحية، وجعلها نهج حياة.

وتختلف العروض المسرحية من حيث النوع من المأساة إلى الكوميديا، ومن المسرح الموسيقي إلى المسرح التجريبي، ومن المسرحيات الطبيعية إلى المسرح العبثي.

ولا تقتصر غاية المسرح على الإمتاع، بل تشمل أهدافًا فكريّة وتثقيفيّة وترفيهيّة للمشاهدين، ولذلك يوصَف بأنه مدرسة الشعوب، وجمهور المسرح يهتم عادةً بالقضايا التي يعايشها في حاضره متضمّنةً عرض قضاياه بشتّى أنواعها السياسية، الاقتصادية، والدينية... إلخ، ويحمل الفن المسرحي أفكاره بطريقة ترفيهية، وواضحة، وهذا ما يجعله دائم الإقبال من قِبل مُشاهديه على مرّ الأحقاب.

وهو إلى جانب موضوعه الرئيس يجب أن يتناول في عروضه موضوعات مختلفة حتى يخاطب ويحاكي كافة العقليات المتابعة له، ويجب أن يكون فيه تنوع في الشخصيات والوجوه الجديدة شريطة أن تكون جذابة وذا كفاءة في إيصال الفكرة والعنوان المراد تقديمه، حتى يحقق مقاصده إمتاعًا وإفادةً.