نظام مير محمدي يكتب لـ(اليوم الثامن):

عندما يعجز الاقتصاد الإيراني تتحول المحاكم والرقابة إلى خط الدفاع الأخير

يتزامن الانهيار المتسارع للريال الإيراني مع توسيع الرقابة الرقمية وملاحقة الصحفيين والمعارضين وتشديد الضبط الاجتماعي. وبينما تقدم القيادة الجديدة البلاد بوصفها قوة عالمية، تكشف الأسواق والمحاكم والشوارع عن سلطة تواجه أزماتها الاقتصادية والسياسية بمزيد من الأدوات الأمنية، من دون امتلاك حلول تعالج أسباب الغضب المتراكم.

لا تبدو التطورات التي شهدتها إيران في أواخر سبتمبر/أيلول ملفات منفصلة يمكن تفسير كل منها بمعزل عن الآخر. فتراجع العملة، وانتشار الأجهزة الأمنية، واستمرار المحاكمات السياسية، وتشديد الرقابة على الإعلام والإنترنت، ليست سوى مظاهر متداخلة لضغط واحد يتراكم على علاقة السلطة بالمجتمع.

في 28 سبتمبر/أيلول، تحدث المرشد الإيراني مجتبى خامنئي عن إيران باعتبارها «رابع قوة عظمى» وفق ما وصفه بالحسابات الدنيوية، ثم رفعها إلى مرتبة «القوة الأولى» وفق «الحسابات الإلهية». وفي الوقت نفسه، كان الريال يسجل واحداً من أسوأ أيامه، متجاوزاً 240 ألف تومان للدولار، قبل أن يواصل انهياره في اليوم التالي إلى أكثر من 250 ألف تومان، أي 2.5 مليون ريال للدولار. see.news

لم تكن المفارقة في التزامن وحده، بل في اتساع المسافة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه الإيرانيون. فالقيادة تتحدث عن قوة عسكرية وإقليمية صاعدة، فيما تفقد العملة قيمتها وتتآكل المدخرات وترتفع الأسعار وتتراجع قدرة الأسر على التخطيط لأبسط احتياجاتها.

والعملة، في مثل هذه الظروف، ليست رقماً محصوراً في شاشات الصرافة أو أسواق المضاربة، بل مقياس مباشر للثقة. وعندما يندفع الناس إلى التخلص من الريال والاحتفاظ بالدولار أو الذهب، فإنهم لا يعبرون عن تقدير اقتصادي فحسب، بل يصوتون عملياً ضد قدرة السلطة على حماية دخلهم ومستقبلهم.

وقد جاء الانخفاض القياسي الجديد بعد أقل من شهر على وصول الدولار إلى 2.2 مليون ريال في الثاني من سبتمبر/أيلول. وتربط تقارير دولية تسارع الانهيار باستمرار الحرب والعقوبات والحصار المفروض على صادرات النفط، إلى جانب الاختلالات البنيوية التي عانى منها الاقتصاد الإيراني قبل التصعيد العسكري الأخير. AP News

لكن استجابة السلطة للأزمة لا تبدو اقتصادية في المقام الأول. فبدلاً من ظهور خطة قادرة على كبح التضخم واستعادة الثقة وحماية القوة الشرائية، يتجه النظام إلى توسيع أدوات السيطرة السياسية والأمنية، كأن المشكلة تكمن في تداول أخبار الانهيار لا في الانهيار نفسه.

وفي 27 سبتمبر/أيلول، أصدرت محكمة جنائية في طهران حكماً بالسجن لمدة عام على الصحفي والمحلل السياسي عباس عبدي، مع وقف صحيفة «اعتماد» شهرين. غير أن الحكم لم يصبح نهائياً بعد، إذ طلب عبدي والصحيفة مراجعته أمام المحكمة العليا.

وفي قضية منفصلة، حُكم على الأكاديمي والمحلل السياسي صادق زيباكلام بالسجن عاماً، مع تعليق تنفيذ العقوبة ثلاث سنوات، ومنعه من النشاط الإعلامي لمدة عامين. وتكشف هذه الأحكام أن القضاء لا يزال يؤدي دوراً مركزياً في ضبط النقاش العام، حتى عندما يتعلق الأمر بشخصيات عملت داخل المجال السياسي والإعلامي المسموح به رسمياً ولم تنتمِ إلى المعارضة الراديكالية. see.news

ولا تكمن دلالة هذه القضايا في قسوة العقوبات وحدها، بل في الرسالة الموجهة إلى الوسط الإعلامي بأكمله. فمعاقبة صحيفة معروفة وشخصيات عامة يعني أن الحدود المتاحة للنقد تتقلص، وأن السلطة لم تعد تتحمل حتى الأصوات التي تتحرك داخل النظام أو على أطرافه.

وبموازاة التضييق على الإعلام، تتجه السلطات إلى إعادة بناء الرقابة على الفضاء الرقمي. فقد قدم نواب إيرانيون في 26 أغسطس/آب مشروعاً جديداً لتنظيم الفضاء الإلكتروني، قبل أن تتكشف تفاصيله خلال سبتمبر/أيلول.

ويمنح المشروع مجلس الفضاء الإلكتروني الأعلى سلطة أوسع على بوابات الإنترنت، ويلزم مقدمي الخدمات بالتحقق من هويات المستخدمين، بما يهدد مساحة التخفي المتاحة للنشطاء والصحفيين والمواطنين. كما يتيح فرض غرامات وسحب تراخيص المنصات المخالفة، ويلزم الشركات الأجنبية بوجود قانوني داخل إيران. ولا يزال المشروع في مرحلة المسودة ولم يتحول إلى قانون نافذ. rferl.org

ورغم حذف بعض البنود الأشد إثارة للجدل، ومنها التجريم المباشر لاستخدام الشبكات الافتراضية الخاصة، فإن جوهر المشروع بقي قائماً: تركيز إدارة الإنترنت والرقابة والتشريع والعقاب داخل مؤسسة يعيّن المرشد أعضاءها.

وهذا يعني أن المجال الرقمي، الذي مثّل خلال الاحتجاجات نافذة لكسر احتكار الإعلام الرسمي، يتحول تدريجياً إلى امتداد للمنظومة الأمنية. فالتحقق من الهوية لا يخدم فقط تنظيم الخدمات، بل يسهل ربط المحتوى بأصحابه، ويحد من قدرة المستخدمين على التعبير دون خوف من الملاحقة.

وتأتي هذه الإجراءات بعد قطع واسع للإنترنت خلال الحرب والاحتجاجات، وفي أجواء شهدت انتشاراً أمنياً في المدن الكبرى واعتقال منتقدين. ويرى مراقبون أن التيار المتشدد يحاول استثمار ظروف الحرب لإقامة بنية دائمة للتحكم في الاتصال والمعلومات، بحيث يصبح الإغلاق الشامل أقل ضرورة لأن الرقابة تكون مدمجة داخل النظام نفسه. rferl.org

وعندما تُجمع هذه الإجراءات في مشهد واحد، تتضح آلية تعامل السلطة مع الأزمات: الانهيار الاقتصادي يُقابل بالتعبئة الدعائية، والاعتراض السياسي يُحال إلى المحاكم، وتدفق المعلومات يُواجه بالرقابة، والتوتر الاجتماعي يُدار بالانتشار الأمني.

ليست هذه الاستراتيجية جديدة في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فقد اعتمد النظام، منذ تأسيسه، على مزيج من أجهزة الأمن والقضاء والإعلام الرسمي والمؤسسات الدينية لضبط المجتمع. لكن الجديد هو تزامن هذه الأدوات في لحظة اقتصادية وعسكرية شديدة الحساسية، وتراجع قدرة السلطة على الفصل بين الأزمات أو احتوائها منفردة.

وتكشف المحاكمة المستمرة لأعضاء منظمة «مجاهدي خلق» والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية جانباً آخر من هذا الاستنفار. ففي 22 سبتمبر/أيلول، عقدت محكمة في طهران الجلسة الخامسة والخمسين في القضية المقامة ضد 104 من أعضاء المنظمة وضد المنظمة نفسها بوصفها كياناً اعتبارياً.

وطالب محامٍ يمثل المدعين بتوسيع المسؤولية الجنائية عبر الهيكل التنظيمي، وطرح تهماً تشمل «الحرابة» و«الإفساد في الأرض». غير أن القاضي رد بأن إثبات المسؤولية والاتهامات من اختصاص المحكمة، وأن المحامي لا يملك تقرير الإدانة. see.news

وتكشف هذه الواقعة أن السلطة لا تزال تتعامل مع المعارضة المنظمة باعتبارها ملفاً أمنياً وقضائياً مفتوحاً، رغم مرور أكثر من أربعة عقود على بداية المواجهة. كما أن السعي إلى ربط المسؤولية الجنائية بمجرد الانتماء أو الموقع التنظيمي يثير أسئلة جدية بشأن فردية العقوبة وضمانات المحاكمة العادلة.

ولا ينبغي التعامل مع أقوال الادعاء في هذه المحاكمة بوصفها حقائق قضائية مكتملة، فهي جزء من رواية رسمية يقدمها خصم سياسي داخل إجراءات يسيطر عليها النظام. لكن استمرار القضية في حد ذاته يكشف حجم القلق من المعارضة المنظمة، ورغبة السلطة في نقل المواجهة السياسية إلى قاعة المحكمة ومنحها غطاءً جنائياً.

ويمتد التشدد إلى ملف الحجاب والرقابة الاجتماعية. ففي 28 سبتمبر/أيلول، دعا رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي المدعين العامين والشرطة والأجهزة الأمنية إلى مواجهة ما وصفه بـ«الشذوذ الاجتماعي» و«العري»، وهي مصطلحات تستخدمها السلطات في سياق مقاومة النساء للحجاب الإجباري. كما طالب المسؤولين بألا يتراجعوا خشية الاعتراض الشعبي. NCRI

ويكشف هذا التوجيه أن الحجاب لم يعد مجرد مسألة اجتماعية أو دينية في حسابات النظام، بل تحول إلى اختبار لسلطة الدولة على المجال العام. فقبول تراجع الإنفاذ يعني، من وجهة نظر المؤسسات المتشددة، الاعتراف بقدرة المجتمع على فرض تغيير من الأسفل، بينما قد يؤدي التشدد إلى إشعال مواجهة جديدة مع النساء والشباب.

وهنا تجد السلطة نفسها داخل معادلة صعبة: لا تستطيع التراجع من دون أن يبدو ذلك ضعفاً، ولا تستطيع فرض القيود بالقوة من دون تحمل احتمال تجدد الاحتجاجات.

تتشكل بذلك دائرة متداخلة يصعب كسرها أمنياً. فالضغط الاقتصادي يولد التوتر الاجتماعي، والتوتر يدفع السلطة إلى توسيع الرقابة، والرقابة تضيق المجال العام وتمنع التنفيس السياسي، ثم يعود الغضب إلى التراكم في صورة أشد خطورة.

وقد تنجح الأجهزة الأمنية في منع تجمع، أو اعتقال ناشط، أو إغلاق صحيفة، أو تعطيل منصة رقمية، لكنها لا تستطيع رفع قيمة الريال أو تخفيض أسعار الغذاء أو إعادة الثقة إلى الأسواق. كما أن القضاء يستطيع إصدار الأحكام، لكنه لا يستطيع تحويل الخطاب الرسمي عن القوة إلى تحسن محسوس في حياة الناس.

ولا تعني هذه الصورة أن انهيار النظام بات حتمياً أو قريباً. فالأنظمة السلطوية تملك قدرة كبيرة على التكيف، وقد تلجأ إلى تقديم تنازلات اقتصادية مؤقتة، أو إعادة ترتيب التوازنات داخل مؤسسات الحكم، أو تشديد القمع بدرجة تمنع الاحتجاجات لفترة أخرى.

لكن المؤكد أن خطاب القوة لم يعد قادراً على إخفاء ما يظهر في الأسواق والمحاكم والشوارع وشبكات الإنترنت. فاختبار الدولة لا يبدأ من ترتيبها المفترض بين القوى العالمية، بل من قدرتها على حماية عملتها وإدارة اقتصادها والحفاظ على الحد الأدنى من الثقة بينها وبين مواطنيها.

وكلما توسعت الأدوات التي تستخدمها السلطة لإثبات سيطرتها، أصبح السؤال عن طبيعة هذه السيطرة أكثر إلحاحاً. فالدولة المستقرة لا تحتاج إلى تحويل الصحفي والأستاذ الجامعي والمرأة والطالب ومستخدم الإنترنت إلى مشكلة أمنية محتملة.

إن تاريخ الأنظمة الاستبدادية يؤكد أن ارتفاع جدار الأوهام لا يحول دون السقوط، بل قد يحجب عن السلطة رؤية الخطر حتى اللحظة الأخيرة. ولن تُحسم المعركة داخل الغرف الأمنية وحدها، لأن الواقع السياسي يتشكل في المجتمع، حيث تتقاطع الموائد الخاوية مع انسداد المجال العام وشعور الناس بأن مؤسسات الدولة لا تسمعهم إلا عندما تحتج عليهم أو تعاقبهم.

لقد بلغت الفجوة بين خطاب «القوة الأولى» وحياة الإيرانيين مستوى يصعب إخفاؤه بالدعاية. ولا تستطيع الأرقام الخيالية والروايات الرسمية أن تصمد إلى ما لا نهاية أمام مجتمع تتآكل قدرته على الاحتمال.

قد تتمكن السلطة من تأخير الانفجار، وتشديد الرقابة، وإطالة أمد الخوف، لكنها لا تستطيع محاكمة الأزمة الاقتصادية أو حجبها عن الأسواق. وعندما يعجز الاقتصاد عن إنتاج الاستقرار، تصبح المحاكم والرقابة خط الدفاع الأخير؛ غير أن خط الدفاع هذا قد يحمي النظام مؤقتاً، لكنه لا يقدم حلاً، ولا يضمن أن يبقى الغضب محاصراً إلى الأبد.