نظام مير محمدي يكتب لـ(اليوم الثامن):

القمع يكشف هشاشة النظام.. حين تخاف السلطة من الشارع.. إيران على فوهة انتفاضة جديدة

تكشف موجة الإعدامات والمحاكمات السريعة والاستنفار الأمني في إيران عن سلطة تخشى عودة الاحتجاجات أكثر مما تعكس قدرتها على احتواء أسبابها. فالأزمة الاقتصادية والضغط الخارجي والغضب الاجتماعي تتراكم في بيئة قد يحوّل فيها أي حدث مفاجئ السخط الصامت إلى انتفاضة واسعة.

 

ليست كل مظاهر القوة دليلاً على تماسك السلطة، كما أن اتساع القمع لا يعني بالضرورة أن النظام بات أكثر أمناً. وفي إيران تحديداً، تبدو العلاقة بين القوة والخوف أكثر وضوحاً؛ فكلما كثفت السلطة الاعتقالات والإعدامات والتعبئة الأمنية، ظهر أن هاجساً واحداً يتقدم في حساباتها: عودة الشارع إلى المعادلة السياسية.

تحاول طهران تقديم الدولة باعتبارها متماسكة وقادرة على تجاوز أزماتها، لكن الواقع الداخلي يكشف صورة مختلفة. فالاقتصاد يرزح تحت وطأة العقوبات والحرب وسوء الإدارة، والأسعار ترتفع، والقدرة الشرائية تتراجع، بينما تتسع الفجوة بين المجتمع ومؤسسات الحكم. وفي بيئة كهذه، لا تحتاج الانتفاضة إلى إنتاج غضب جديد؛ إذ يكفي أن تجد المشاعر المتراكمة شرارة وتوقيتاً مناسبين.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الإعدامات المتصاعدة أحكاماً قضائية منفصلة عن السياق السياسي، بل جزءاً من سياسة ردع تستهدف المجتمع كله. فقد قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» ومركز عبدالرحمن برومند إن السلطات الإيرانية أعلنت، بين 18 مارس/آذار ونهاية أغسطس/آب 2026، إعدام 29 شخصاً على الأقل على صلة بالاحتجاجات الأخيرة، ضمن 59 عملية إعدام نُفذت بحق رجال أدينوا بتهم سياسية وأمنية فضفاضة بعد محاكمات وصفتها المنظمتان بأنها جائرة. وكان بين الذين أُعدموا شبان في الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من العمر.

ووثقت منظمة العفو الدولية بدورها تصاعد استخدام عقوبة الإعدام في أعقاب احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026. وقالت في يوليو/تموز إن ستين شخصاً على الأقل، بينهم ثلاثة اعتُقلوا وهم أطفال، يواجهون خطر تنفيذ أحكام الإعدام، فيما يخضع آخرون لمحاكمات قد تنتهي بالعقوبة نفسها.

وتكتسب هذه الأرقام دلالتها السياسية من طبيعة الإجراءات القضائية المصاحبة لها. فقد تحدثت المنظمات الحقوقية عن محاكمات سريعة، وحرمان متهمين من محامين مستقلين، واستخدام اعترافات انتُزعت تحت التعذيب، وإصدار أحكام بالإعدام على خلفية أفعال لا تتضمن القتل العمد. وفي بعض الحالات لم تستغرق الفترة بين الاعتقال وتنفيذ الحكم سوى أسابيع قليلة.

ويتجاوز الأمر محاولة معاقبة أفراد بعينهم. فتنفيذ الإعدامات علناً أو سراً، وتسريع المحاكمات، وملاحقة من يعارضون عقوبة الموت، كلها ممارسات تحمل رسالة موجهة إلى المجتمع: الاحتجاج لن ينتهي بالاعتقال، وقد يقود إلى المشنقة.

وفي 22 سبتمبر/أيلول، خاطبت مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، آلاف الإيرانيين وأنصار المعارضة المحتشدين أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك، حيث رفع المشاركون شعارات تطالب بوقف الإعدامات في إيران.

وقالت رجوي إن حضور المحتجين أمام الأمم المتحدة يمثل اعتراضاً على استقبال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، واتهمت المجتمع الدولي بغض الطرف عن سجل السلطات الإيرانية في القتل والإعدام والقمع.

كما استندت في رسالتها إلى الإدانات الأممية المتكررة لانتهاكات حقوق الإنسان في إيران، وإلى التقارير الدولية المتعلقة بمجزرة السجناء السياسيين عام 1988، وقمع انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022، والانتهاكات التي رافقت احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026.

وتبقى بعض الأرقام والتوصيفات الواردة في خطاب رجوي جزءاً من خطاب المعارضة الإيرانية، لكن الاتجاه العام الذي تحدثت عنه تدعمه تقارير حقوقية مستقلة. فقد قالت منظمة العفو الدولية إن قوات الأمن ارتكبت عمليات قتل غير قانونية على نطاق غير مسبوق خلال يومي 8 و9 يناير/كانون الثاني، في سياق قمع الاحتجاجات التي اندلعت أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025. كما وثقت المنظمة الاعتقالات الواسعة والإخفاء القسري والضغوط التي تعرضت لها عائلات الضحايا.

وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات المشهد الإيراني وضوحاً: فالنظام الذي يمتلك الحرس الثوري والباسيج وأجهزة استخبارات واسعة، ويستطيع اعتقال المحتجين وإغلاق الإنترنت وإصدار أحكام الموت، لا يزال يتصرف كما لو أن الاحتجاج المقبل قد يكون أخطر من كل ما سبقه.

ولا تواجه السلطة غضباً معيشياً فقط، بل تراكمات سياسية واجتماعية أعمق. وبينما تتحدث مؤسسات الحكم عن الوحدة والتماسك، تظهر داخل النظام خلافات بشأن الاقتصاد وإدارة الموارد والتعامل مع العقوبات والحرب والعلاقة مع الخارج. وكلما اتسعت دائرة الأزمات، أصبحت تغطيتها بخطاب المواجهة والتعبئة أكثر صعوبة.

وفي الخارج، لا تبدو طهران أقل توتراً. فالملف النووي ما زال في صلب الضغوط الدولية، والعقوبات تزيد الأعباء الواقعة على الاقتصاد، بينما تضع التوترات الإقليمية البلاد أمام احتمالات مفتوحة. وتمنح هذه التوترات النظام فرصة لاستدعاء خطاب الخطر الخارجي وحشد أنصاره، لكنها تستنزف موارده وتزيد عزلته وتعمق آثار الأزمة في الداخل.

وهكذا تتقاطع الجبهات: اقتصاد مضغوط، وتوتر إقليمي، وعقوبات خارجية، وتصدعات داخلية، ومجتمع لم تختف أسباب غضبه. أما العامل الأكثر حساسية فيبقى الشارع الإيراني؛ فخمود الاحتجاجات لا يعني أن دوافعها انتهت، والهدوء المفروض بالقوة قد يكون فترة انتظار أكثر منه علامة على الاستقرار.

ومن هنا يمكن فهم التعبئة الأمنية بوصفها محاولة لمنع انتقال السخط من احتجاجات متفرقة إلى حركة جماعية واسعة. غير أن المشكلة التي تواجه النظام هي أن الأجهزة الأمنية تستطيع السيطرة على الشوارع لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع بمفردها خفض الأسعار، أو توفير فرص العمل، أو استعادة الثقة السياسية، أو معالجة شعور قطاعات واسعة من الإيرانيين بانسداد المستقبل.

تستطيع السلطة اعتقال الناشط، وإعدام المحتج، وتفريق التجمع، وتعطيل الإنترنت وتشديد الرقابة، لكنها لا تستطيع إعدام الأزمة نفسها. ولذلك فإن معركتها الفعلية ليست مع احتجاج واحد، بل مع تراكم طويل من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تغذي بعضها بعضاً.

وتقف إيران اليوم أمام معادلة شديدة الخطورة: سلطة تشدد قبضتها لأنها تخشى الانفجار، ومجتمع يتعرض لضغوط تجعل هذا الانفجار ممكناً. وبين الطرفين يظل المستقبل مفتوحاً على أكثر من احتمال، لكن المؤكد أن الهدوء الذي تفرضه القوة لا يصنع استقراراً، وأن القمع الذي ينجح في إسكات الشارع مؤقتاً لا يضمن أن الإيرانيين نسوا طريق العودة إليه.