قراءة في تصريحات هاني بن بريك..

«المعضلة السعودية في اليمن».. كيف تحول الحليف الجنوبي إلى خصم بينما تعاظمت قوة الحوثيين؟

نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي يتهم إدارة التحالف بإطالة الحرب ومنح الحوثيين الوقت لتعزيز قدراتهم العسكرية، ويكشف عن صدمة القيادات الجنوبية من الضربات السعودية، محذراً من أن ربط مستقبل الجنوب بمصير الشمال يمنح الجماعة المدعومة من إيران فرصة لتوسيع نفوذها.

الشيخ هاني بن بريك نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي - سكاي نيوز عربية

أبوظبي

حمّل هاني بن بريك، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي وأحد القادة العسكريين المشاركين في معركة تحرير عدن عام 2015، قيادة التحالف الذي تقوده السعودية مسؤولية التأخر في حسم المواجهة مع الحوثيين، معتبراً أن سوء إدارة الحرب منح الجماعة المدعومة من إيران الوقت الكافي للتحول من قوة محدودة الإمكانات إلى تهديد عسكري عابر للحدود، فيما اتهم الرياض بقصف قوات جنوبية سبق أن شارك أفراد منها في الدفاع عن الأراضي السعودية.

وفي مقابلة مطولة مع برنامج «السؤال الصعب» على قناة سكاي نيوز عربية، بثت في الرابع من نوفمبر 2026، قدم بن بريك، الذي ارتبط اسمه أيضاً بتأسيس قوات الحزام الأمني المعنية بمكافحة الإرهاب في الجنوب، مراجعة نقدية لتجربة التحالف العربي، تناولت أسباب تعثر الحرب، وعلاقة حزب الإصلاح بالحوثيين، والتداعيات السياسية والعسكرية للضربات السعودية ضد القوات الجنوبية، وصولاً إلى مستقبل الدولة الجنوبية والعلاقات المحتملة مع الولايات المتحدة.

ولم يقتصر حديث بن بريك على انتقاد إدارة الرياض للحرب. فقد وضع الخلاف بين السعودية والقيادات الجنوبية في سياق أوسع يتعلق بطبيعة التحالفات التي نشأت منذ عام 2015، وحدود الالتزامات المتبادلة، والتناقض بين الأهداف المعلنة لمواجهة النفوذ الإيراني والنتائج التي انتهت إليها الحرب بعد أكثر من عقد.

وأظهر الحوار تحولاً واضحاً في الخطاب السياسي لأحد أبرز الوجوه المؤسسة للمجلس الانتقالي الجنوبي؛ فمن الدفاع عن الشراكة مع التحالف العربي إلى مساءلة قراراته العسكرية، ومن التعويل على استمرار التعاون مع الرياض إلى التحذير من أن السياسات السعودية تجاه الجنوب قد تفضي إلى نتائج تتعارض مع مصالح المملكة الأمنية نفسها.

فرصة عسكرية ضائعة.. من يتحمل مسؤولية صعود الحوثيين؟

قال بن بريك إن الحوثيين لم يكونوا يمتلكون، في السنوات الأولى للحرب، القدرات العسكرية التي يظهرون بها اليوم، مؤكداً أن القوات المناهضة للجماعة كانت قريبة من تحقيق تقدم حاسم قبل أن يؤدي تأخير العمليات إلى تغيير موازين القوى.

وأوضح أن الجماعة استفادت من الوقت لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز قدراتها، بينما استمرت خطوط الإمداد والتهريب في تزويدها بالأسلحة والخبرات العسكرية، وصولاً إلى امتلاك قدرات صاروخية استخدمتها ضد السعودية ودول مجاورة وإسرائيل.

وقال: «الذي أوصل الحوثي إلى هذه المرحلة هو عدم الحسم المبكر عندما كان ضعيفاً».

وذهب أبعد من تحميل إدارة التحالف مسؤولية التأخير، إذ اعتبر أن إطالة أمد المواجهة لم تكن مجرد نتيجة لتعقيدات العمليات العسكرية، بل وصفها بأنها عملية مدروسة أتاحت للحوثيين وحلفائهم الاستفادة من عامل الوقت.

ويمثل هذا الاتهام أحد أكثر أجزاء المقابلة حساسية، لأنه ينقل النقاش من تقييم النتائج العسكرية إلى التشكيك في طبيعة القرارات التي اتخذتها قيادة التحالف خلال مراحل الحرب. ومع ذلك، لم يقدم بن بريك في الحوار وثائق أو تفاصيل عملياتية تثبت وجود قرار متعمد بإطالة الحرب، وظل هذا التفسير ضمن تقييمه السياسي والعسكري لمسار المواجهة.

وبحسب روايته، أسهم التأخير في ترسيخ صورة الحوثيين باعتبارهم قوة يصعب هزيمتها، بعدما أتاحت السنوات المتعاقبة للجماعة تعزيز مواقعها وتطوير قدراتها الهجومية.

ويثير هذا التقييم سؤالاً يتعلق بالفجوة بين الأهداف التي أعلنها التحالف عند تدخله في مارس 2015، وفي مقدمتها وقف تمدد الحوثيين وإعادة السلطة المعترف بها دولياً، وبين استمرار الجماعة في السيطرة على صنعاء وتطوير وسائل تهديد دول المنطقة.

السعودية والقوات الجنوبية.. من الدفاع عن الحدود إلى التعرض للقصف

كان الجزء الأكثر مباشرة في انتقادات بن بريك موجهاً إلى السعودية، عندما تحدث عن الضربات التي قال إن قوات جنوبية تعرضت لها خلال أحداث ديسمبر 2025 ويناير 2026.

وأوضح أن القيادات الجنوبية لم تكن تتوقع وصول الخلافات مع الرياض إلى استخدام القوة العسكرية، خصوصاً أن القوات المستهدفة، وفق روايته، شاركت في مواجهة الحوثيين، ولم تكن تمثل تهديداً للمملكة.

وقال: «أنا عن نفسي شخصياً كنت أستبعد تماماً أن تقصف السعودية قوات جنوبية سنية، لا تمثل إيران ولا تمثل أي خطر على الجانب السعودي إطلاقاً».

وأضاف أن بعض أفراد هذه القوات سبق أن قاتلوا على الحدود السعودية دفاعاً عن المملكة، وهو ما جعل احتمال تعرضهم لقصف سعودي خارج حسابات القيادات الجنوبية حتى اللحظات الأخيرة.

وبالنسبة إلى بن بريك، لم تكن المشكلة في وقوع خلاف سياسي بين حليفين، وإنما في انتقال الخلاف إلى مواجهة عسكرية ضد قوات كان يفترض أنها تعمل ضمن الأهداف العامة للتحالف نفسه.

ووصف ما حدث بأنه إخلال بعهود الشراكة والتحالف، معترفاً في الوقت ذاته بأن القيادات الجنوبية تتحمل جانباً من المسؤولية بسبب ما سماه الإفراط في حسن الظن بالحليف.

وقال إن هذا الاعتقاد استمر حتى ما قبل الضربات بلحظات، مشيراً إلى أن القيادات الجنوبية لم تتوقع أن تتخذ السعودية إجراءات عسكرية ضدها.

وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من طبيعة العلاقة التي جمعت القوات الجنوبية بالسعودية خلال سنوات الحرب. فقد شاركت تشكيلات جنوبية في جبهات متعددة ضد الحوثيين، بينما ارتبطت بعض وحداتها بعمليات عسكرية وأمنية داخل الجنوب وعلى الحدود السعودية.

لكن الحوار لم يتضمن عرضاً تفصيلياً لأوامر العمليات أو طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف، ولم يتضمن رداً سعودياً على الاتهامات.

ويكشف حديث بن بريك عن اختلاف جوهري في تفسير العلاقة بين الرياض والجنوب. فالسعودية تتمسك، في خطابها السياسي التقليدي بشأن اليمن، بوحدة البلاد ودعم السلطة المعترف بها دولياً، بينما ترى القيادات الجنوبية أن المشاركة في مواجهة الحوثيين لا تعني التخلي عن حق تقرير المصير أو قبول استخدام القوة لفرض تسوية سياسية على الجنوب.

حزب الإصلاح.. اتهامات بتعطيل الحسم من داخل التحالف

خصص بن بريك جانباً واسعاً من المقابلة للحديث عن حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي وصفه بأنه الامتداد السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، واتهم قيادات مرتبطة به بالمساهمة في تأخير الحسم العسكري ضد الحوثيين.

وقال إن عناصر محسوبة على الحزب كانت تتمتع بنفوذ داخل مؤسسات الحكومة المعترف بها دولياً، وتسيطر على بعض المحاور العسكرية المحيطة بصنعاء، معتبراً أن هذا النفوذ كان من الأسباب الرئيسية لتعثر العمليات.

كما أشار إلى تأخر الحزب نحو أسبوع في إعلان تأييده للتحالف العربي عقب انطلاق عملية عاصفة الحزم في مارس 2015، ورأى أن هذا الموقف يعكس طبيعة الحسابات التي حكمت علاقة الحزب بالحرب.

واتهم بن بريك حزب الإصلاح بوجود تفاهمات غير معلنة مع الحوثيين، مستخدماً تعبير «تحالف خفي» لوصف العلاقة بين الطرفين.

ولم يقدم خلال المقابلة أدلة مستقلة تثبت وجود تحالف تنظيمي مباشر، لكن اتهاماته جاءت ضمن تفسيره لأسباب استمرار الحوثيين في السيطرة على صنعاء رغم سنوات الدعم العسكري الذي تلقته القوات المناهضة لهم.

وعندما سألته مقدمة البرنامج عن علاقة السعودية بحزب الإصلاح، حاول بن بريك التمييز بين الدعم السعودي التقليدي للمشايخ والقبائل وبين دعم التنظيم الإخواني نفسه.

واستشهد بعلاقة الرياض بالشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، أول رئيس لحزب الإصلاح، معتبراً أن نفوذه القبلي كان أساس العلاقة السعودية معه، أكثر من الانتماء التنظيمي أو الأيديولوجي.

ويعكس هذا التفسير محاولة لفهم التناقض الذي أثارته المذيعة: كيف يمكن للسعودية أن تعتبر الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، بينما تستمر علاقاتها السياسية والعسكرية مع شخصيات وتشكيلات مرتبطة بحزب الإصلاح في اليمن؟

وبالنسبة إلى بن بريك، فإن استمرار هذا التداخل داخل المعسكر المناهض للحوثيين أسهم في تعقيد الحرب، وأتاح للجماعة الاستفادة من الانقسامات بين خصومها.

من شرعية هادي إلى تأسيس المجلس الانتقالي

استعاد بن بريك ظروف تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو 2017، عقب إقالة عيدروس الزبيدي من منصب محافظ عدن وإقالته هو من منصبه الوزاري.

وأكد أن تأسيس المجلس لم يكن إعلاناً للتمرد على شرعية الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي، وأن القيادات الجنوبية واصلت الاعتراف به رئيساً شرعياً للبلاد.

وأوضح أن العلاقة مع هادي استمرت في بدايتها، قبل أن تتدهور بفعل ما وصفه بنفوذ حزب الإصلاح داخل مكتب الرئاسة ومؤسسات السلطة.

وحمّل الحزب مسؤولية المساهمة في تفكيك العلاقة بين الرئيس السابق والقيادات الجنوبية، معتبراً أن الخلافات تطورت لاحقاً إلى مواجهات مسلحة.

وتكشف هذه الرواية عن محاولة بن بريك الفصل بين موقف المجلس الانتقالي من مؤسسات الشرعية اليمنية وبين صراعه السياسي مع القوى التي كانت تعمل داخلها.

كما شدد على أن السعودية والإمارات لم تعلنا، عند بدء تدخلهما في اليمن، أن هدفهما إقامة دولة جنوبية مستقلة، وأن القيادات الجنوبية كانت تدرك ذلك منذ البداية.

لكنه أكد أن اختلاف الأهداف السياسية لا يمنح أي طرف حق فرض إرادته على الجنوبيين، معتبراً أن تقرير مستقبل الجنوب يجب أن يكون بقرار من سكانه.

وفي هذا السياق، أوضح أن الموقف السعودي من وحدة اليمن لم يكن، بحد ذاته، سبباً لاعتبار الرياض خصماً للجنوب قبل أحداث ديسمبر ويناير، وأن التحول جاء نتيجة التطورات العسكرية والسياسية اللاحقة.

الحوثيون وإيران.. خلاف يتجاوز الصراع الإقليمي

رفض بن بريك اختزال المشكلة الحوثية في علاقة الجماعة بإيران، معتبراً أن الخطر يرتبط أيضاً بطبيعة المشروع الأيديولوجي الذي تتبناه، وما وصفه باعتقادها بالحق الإلهي في الحكم.

وقارن بين المشروع الحوثي وجماعة الإخوان المسلمين من حيث السعي إلى تصدير نموذج سياسي يستند إلى مرجعية دينية عابرة للحدود، رغم اختلاف الخلفيات المذهبية بينهما.

وأوضح أن إيران تتبنى مبدأ تصدير الثورة وولاية الفقيه، بينما يتبنى الإخوان مشروع الخلافة، معتبراً أن الاختلاف المذهبي لا يلغي التشابه الذي يراه في طبيعة المشروعين السياسيين.

وكشف أن إيران حاولت، بحسب روايته، استقطاب الحراك الجنوبي في مرحلة سابقة، بهدف توسيع نفوذها إلى جنوب الجزيرة العربية وإحاطة السعودية ودول الخليج بنفوذ موالٍ لها من الشمال والجنوب.

وقال إن هذه المحاولة لم تنجح بسبب اختلاف التوجهات السياسية والعقائدية للحراك الجنوبي، الذي وصفه بأنه مشروع يسعى إلى إقامة دولة وطنية، وليس امتداداً لنظام ولاية الفقيه.

وبهذا التفسير، قدم بن بريك القضية الجنوبية باعتبارها مشروعاً سياسياً منفصلاً عن الاستقطاب الإيراني، معتبراً أن استقلال الجنوب يمكن أن يشكل حاجزاً أمام تمدد الحوثيين نحو بقية الأراضي اليمنية.

الهدن مع الحوثيين.. فرصة لإعادة التسليح

انتقد بن بريك سياسة التهدئة المتكررة مع الحوثيين، قائلاً إن التجارب السابقة منذ عام 2015 أظهرت، من وجهة نظره، أن الجماعة تستخدم فترات وقف القتال لإعادة التعبئة والتسليح.

ورفض إمكانية التعايش السياسي المستقر مع الحوثيين في ظل استمرار عقيدتهم الحالية واحتفاظهم بالسلطة العسكرية.

لكنه ميز بين حق الأفراد في ممارسة معتقداتهم الدينية وبين سيطرة جماعة مسلحة على مؤسسات الدولة والجيش، مؤكداً أنه لا يعارض ممارسة الحوثيين معتقداتهم داخل المساجد والمجتمعات التي ينتمون إليها، وإنما يعارض احتكارهم السلطة والسلاح.

وفي معرض حديثه عن احتمال تغير النظام الإيراني، قال إن سقوطه أو توقف دعمه العسكري والمالي سيضعف الحوثيين، لكنه لن ينهي بالضرورة مشروعهم الفكري.

وأشار إلى أن جذور الحركة الحوثية تعود إلى نشاط جماعة «الشباب المؤمن» في تسعينيات القرن الماضي، قبل اندلاع الحروب الست التي خاضتها مع الحكومة اليمنية ابتداءً من عام 2004.

واعتبر أن تلك الحروب أسهمت في تعزيز قوة الجماعة، بدلاً من القضاء عليها، نتيجة غياب معالجة سياسية وفكرية لأسباب صعودها.

كما رفض اعتبار الحوثيين ممثلين للمذهب الزيدي اليمني، قائلاً إن توجهاتهم العقائدية، وفق قراءته، أقرب إلى الاثني عشرية الإيرانية.

وهذا التوصيف يمثل موقف بن بريك من هوية الجماعة الدينية والسياسية، في ملف يشهد اختلافات بين الباحثين بشأن علاقة الحوثية بالتراث الزيدي والتأثيرات الإيرانية اللاحقة.

الهوية الجنوبية.. رفض فرض المعتقدات بالقوة

في جانب آخر من المقابلة، دافع بن بريك عن تصوره للدولة الجنوبية المنشودة، معتبراً أنها يجب أن تقوم على المواطنة المتساوية، وألا تميز بين السكان بسبب المذهب أو الانتماء الديني.

ورفض الاتهامات التي تصور المشروع الجنوبي باعتباره دعوة إلى مواجهة طائفية، مؤكداً أن الدفاع عن الهوية الدينية للمجتمع لا يعني السعي إلى فرضها على الآخرين.

واستشهد بدخول الحوثيين إلى عدن عام 2015، قائلاً إن الجماعة حاولت تغيير بعض المظاهر الدينية المحلية، ومنها صيغة الأذان، كما اتهمها بفرض قيود على ممارسات دينية في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وربط هذه المواقف برفضه السماح لجماعة مسلحة باستخدام القوة لفرض نموذج ديني أو سياسي على مجتمع آخر.

وفي المقابل، أكد أن الدولة الوطنية التي يتحدث عنها لا تعني محاربة الدين، منتقداً ما وصفه بمحاولات جماعة الإخوان المسلمين تصوير مفهوم الدولة الوطنية باعتباره مرادفاً للإلحاد أو العداء للمعتقدات الدينية.

وقال إن المشروع الجنوبي، كما يراه، يقوم على دولة ترعى مصالح المواطنين دون تمييز.

وتكشف هذه التصريحات محاولة لتقديم الاستقلال الجنوبي باعتباره مشروع دولة ذات هوية وطنية، لا مجرد انفصال جغرافي عن الشمال، وإن كان الحوار لم يتناول بالتفصيل طبيعة النظام السياسي أو الضمانات الدستورية التي يمكن أن تنظم هذه الرؤية.

القاعدة والحوثيون.. اتهامات بالتخادم ضد الجنوب

فتح بن بريك ملف العلاقة بين الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، متهماً الطرفين بوجود تقاطع في المصالح يستهدف القوات الجنوبية.

وقال إن العمليات التي ينفذها تنظيم القاعدة تتركز، بحسب تقييمه، ضد القوات الجنوبية، بينما لا تشهد مناطق سيطرة الحوثيين عمليات مماثلة بالحجم نفسه.

وأضاف أن الأجهزة الأمنية الجنوبية تمتلك محاضر تحقيق ومعلومات تتعلق بما وصفه بالتخادم بين الحوثيين والقاعدة.

كما اتهم التنظيم بعدم استهداف المعسكرات التابعة لحزب الإصلاح بالقدر الذي يستهدف به القوات الجنوبية.

وتكتسب هذه الاتهامات أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط بن بريك بتأسيس قوات الحزام الأمني، التي شاركت في عمليات مكافحة الإرهاب في عدن ومحافظات جنوبية أخرى.

لكن المقابلة لم تتضمن نشر محاضر التحقيق التي استند إليها، أو تفاصيل محددة تثبت وجود تنسيق عملياتي مباشر بين الحوثيين والقاعدة.

ويمثل هذا الملف أحد أكثر جوانب الحرب اليمنية تعقيداً، نظراً إلى اختلاف الأهداف العقائدية والسياسية بين التنظيمين، واحتمال وجود تقاطعات ميدانية لا تعني بالضرورة قيام تحالف تنظيمي مستقر.

واشنطن والحوثيون.. رفض تحويل الجنوب إلى أداة عسكرية

وجه بن بريك انتقادات إلى السياسة الأميركية تجاه الحوثيين، متسائلاً عن طبيعة الاتصالات التي تجريها واشنطن مع الجماعة، ومدى استعداد الولايات المتحدة للتعامل معها بوصفها سلطة أمر واقع.

وقال إن الحوثيين يرفعون شعارات معادية للولايات المتحدة وإسرائيل، بينما تستمر الاتصالات السياسية المتعلقة بالحرب والتسويات المحتملة.

واعتبر أن واشنطن قد تفضل أن تتحمل القوى الإقليمية والمحلية كلفة مواجهة الحوثيين، وأن تقدم بديلاً سياسياً وعسكرياً قادراً على إدارة المناطق اليمنية.

غير أنه قدم هذا التفسير باعتباره قراءة شخصية للسياسة الأميركية، وليس معلومات مؤكدة عن قرارات داخل الإدارة الأميركية.

وفي المقابل، أكد انفتاحه على بناء علاقات مع الولايات المتحدة وجميع دول العالم، على أساس المصالح المتبادلة.

وقال إنه لا يريد أن يتحول الجنوب إلى أداة لتنفيذ السياسات الأميركية في المنطقة، مستخدماً عبارة «أنا لست شرطياً لأميركا في المنطقة».

وأوضح أن مواجهة القاعدة وداعش والحوثيين تمثل مصالح مشتركة بين الجنوبيين والولايات المتحدة، لكنها لا تعني أن تكون القوات الجنوبية مسؤولة عن حماية المصالح الأميركية دون مقابل سياسي أو اعتراف بمصالحها الخاصة.

ويمثل هذا الموقف امتداداً لانتقاداته للعلاقة مع السعودية، إذ حاول بن بريك تقديم تصور للتحالفات يقوم على الالتزامات المتبادلة، بدلاً من الاعتماد على الثقة السياسية أو العلاقات الشخصية بين القيادات.

استقلال الجنوب.. رفض انتظار تحرير صنعاء

وصل بن بريك إلى القضية الأكثر ارتباطاً بمستقبل الجنوب عندما رفض ربط تقرير مصيره بنتائج الحرب في شمال اليمن.

وتساءل عن منطق مطالبة الجنوبيين بمواصلة القتال لتحرير المناطق الشمالية، بينما لا تتحرك القوى السياسية والعسكرية الشمالية، بحسب تقييمه، بالجدية المطلوبة لإنهاء سيطرة الحوثيين.

وقال إن سكان الشمال لا يتحملون جميعاً مسؤولية استمرار حكم الحوثيين، مشيراً إلى أن قطاعات واسعة منهم تعيش تحت سلطة الجماعة دون أن تكون قادرة على تغيير الواقع.

لكنه وجه انتقادات إلى النخب السياسية الشمالية، متهماً بعضها بالاستفادة من استمرار الحرب والحصول على الدعم دون تحقيق نتائج عسكرية ملموسة.

واعتبر أن استمرار ربط الجنوب بهذا المسار يجعل مستقبله السياسي معلقاً على حرب لا يملك الجنوبيون وحدهم قرارها أو القدرة على إنهائها.

وفي هذا السياق، قدم بن بريك استقلال الجنوب باعتباره خياراً يمكن أن يخدم مصالح السعودية نفسها.

واستند إلى تقديره بأن الجنوب يمثل نحو ثلثي مساحة اليمن، معتبراً أن إقامة دولة جنوبية مستقلة ستمنع وقوع هذه المساحة تحت سيطرة الحوثيين، وستوفر في الوقت نفسه قاعدة يمكن أن تستفيد منها القوى الشمالية المناهضة للجماعة.

وأوضح أن الدولة الجنوبية، وفق تصوره، يمكن أن توفر ملاذاً ودعماً للقوى الشمالية التي تسعى إلى إنهاء حكم الحوثيين، دون أن يعني ذلك استمرار وحدة سياسية مفروضة بين الطرفين.

ويطرح هذا التصور الاستقلال بوصفه جزءاً من معالجة التهديد الحوثي، وليس مجرد مطلب تاريخي مرتبط بالصراع على الوحدة اليمنية.

غير أن الانتقال من هذا التصور إلى واقع سياسي يظل مرتبطاً بمواقف القوى الجنوبية المختلفة، والترتيبات الأمنية والاقتصادية، والموقف الدولي من مستقبل اليمن.

الإرث الاشتراكي.. رفض اختزال الجنوب في تجربة سياسية سابقة

في ختام المقابلة، تناول بن بريك الصورة التاريخية للجنوب خلال مرحلة حكم الحزب الاشتراكي اليمني قبل الوحدة عام 1990.

ورفض اختزال المجتمع الجنوبي في الأيديولوجيا الاشتراكية التي تبناها الحزب الحاكم آنذاك، معتبراً أن هوية السكان الدينية والاجتماعية لم تكن مطابقة بالضرورة لأيديولوجيا السلطة.

وأشار إلى أن المساجد ظلت قائمة، وأن المناسبات والأعياد الدينية كانت معترفاً بها رسمياً خلال تلك المرحلة.

واتهم جماعة الإخوان المسلمين بالمساهمة في ترسيخ صورة نمطية عن الجنوب باعتباره مجتمعاً اشتراكياً معادياً للدين.

كما أشار إلى حضور التيار السلفي داخل القوات الجنوبية الحالية، معتبراً أن ذلك يعكس اختلاف البنية الاجتماعية والعسكرية الراهنة عن الصورة المرتبطة بمرحلة الحكم الاشتراكي.

وتأتي هذه التصريحات ضمن محاولته الفصل بين مطلب استعادة الدولة الجنوبية وبين استعادة النظام السياسي الذي حكمها قبل عام 1990، مؤكداً أن المشروع الذي يدافع عنه يقوم على الدولة الوطنية، وليس على إعادة إنتاج أيديولوجيا حزبية سابقة.

رسائل إلى الرياض.. أزمة ثقة تتجاوز الخلاف على الوحدة

تكشف مقابلة بن بريك عن ثلاثة مستويات متداخلة في الخلاف بين القيادات الجنوبية والسعودية: إدارة الحرب ضد الحوثيين، وطبيعة العلاقة العسكرية بين الحلفاء السابقين، ومستقبل القضية الجنوبية.

ففي المستوى العسكري، يحمل بن بريك قيادة التحالف مسؤولية إضاعة فرص مبكرة لإضعاف الحوثيين، ويرى أن تأخير الحسم سمح للجماعة بتطوير قدراتها الصاروخية وتعزيز نفوذها.

وفي مستوى العلاقة بين الحلفاء، يعتبر أن الضربات السعودية ضد القوات الجنوبية مثلت تحولاً في طبيعة الشراكة، خصوصاً أن بعض هذه القوات سبق أن قاتل دفاعاً عن الحدود السعودية.

أما في المستوى السياسي، فيرفض استمرار التعامل مع الجنوب باعتباره طرفاً ملزماً بالمشاركة في حرب الشمال إلى أجل غير محدد، بينما يبقى حقه في تقرير مصيره معلقاً على نتائج تلك الحرب.

واللافت أن بن بريك لم يقدم استقلال الجنوب باعتباره مشروعاً موجهاً ضد السعودية، بل حاول ربطه بمصالحها الأمنية، من خلال القول إن وجود دولة جنوبية مستقلة يمكن أن يمنع توسع الحوثيين ويحول دون امتداد النفوذ الإيراني إلى بقية الأراضي اليمنية.

لكن هذه المقاربة تتعارض مع الموقف السعودي التقليدي الداعم لوحدة اليمن، وتفتح أسئلة عن إمكانية التوصل إلى صيغة سياسية تستوعب المطالب الجنوبية وتراعي التوازنات الإقليمية.

كما أن اتهامات بن بريك المتعلقة بالقصف السعودي وتعمد تأخير الحسم العسكري تمثل روايته للأحداث، ولم تتضمن المقابلة رداً من الرياض أو وثائق مستقلة تحسم جميع جوانبها.

ومع ذلك، فإن أهمية تصريحاته تكمن في صدورها عن شخصية شاركت في العمليات العسكرية ضد الحوثيين، وأسهمت في تأسيس تشكيلات أمنية جنوبية، وكانت جزءاً من منظومة التحالف الذي تقوده السعودية.

فهو لا يتحدث عن الحرب من موقع المعارضة السياسية التقليدية وحدها، وإنما يقدم مراجعة لتجربة شارك فيها، ويحمّل قيادة التحالف جانباً أساسياً من مسؤولية نتائجها.

وبين اتهامه الرياض بقصف قوات قاتلت دفاعاً عنها، ورفضه تعليق مستقبل الجنوب على تحرير صنعاء، رسم بن بريك حدوداً جديدة للعلاقة التي يتصورها مع السعودية: تعاون يقوم على المصالح المتبادلة، دون التخلي عن المطالب السياسية الجنوبية، ودون تحويل القوات الجنوبية إلى أداة عسكرية في حرب لا تملك قرارها النهائي.

وتبقى الرسالة الأبرز في المقابلة أن الخلاف لم يعد مقتصراً على شكل الدولة اليمنية، بل امتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يتحمل كلفة الحرب، ومن يقرر استمرارها، وما الذي حصل عليه الجنوبيون مقابل مشاركتهم فيها.

المصدر: مقابلة هاني بن بريك في برنامج السؤال الصعب – سكاي نيوز عربية، 2 نوفمبر 2026.