فرامرز صفا يكتب لـ(اليوم الثامن):
مجلس الخبراء وصدع القيادة في إيران
لم تعد أزمة الحكم في إيران بعد خامنئي محصورة في الشارع أو الاقتصاد أو العلاقة مع الخارج. فالشرخ الأخطر ظهر هذه المرة داخل المؤسسة التي صُممت أصلاً لحماية موقع الولي الفقيه وضمان انتقال السلطة: مجلس الخبراء. وما جرى في هذه المؤسسة لا يمكن اعتباره خلافاً إجرائياً حول بيان أو مذكرة تفاهم، بل مؤشراً على أن مركز التوازن داخل نظام ولاية الفقيه بات مهتزاً من الداخل.
فمجلس الخبراء، الذي يضم 84 عضواً ويفترض أن تكون مهمته تعيين الولي الفقيه والرقابة عليه، شهد انقساماً لافتاً بعدما وقّع 63 من أعضائه بياناً من عشر نقاط وضعوا فيه ما سموه «خطوطاً حمراء» أمام جناح التفاوض. لكن أمانة المجلس سارعت إلى إعلان أن هذا التحرك غير مألوف ولا يحمل قيمة قانونية، قبل أن يدخل مجلس الشورى على الخط عبر إعلان 84 نائباً دعمهم للبيان. وهكذا خرج الخلاف من إطار المؤسسة المغلقة إلى العلن، كاشفاً أن الصراع لم يعد يدور في هوامش النظام، بل في قلب بنيته القيادية.
أهمية هذا التطور لا تكمن في عدد الموقعين فقط، بل في هوية بعضهم. فحضور شخصيات مثل أحمد علم الهدى ومحمد مهدي ميرباقري، المرتبطين بالتيار المتشدد وجبهة الصمود، يعكس أن هذا الجناح لم يعد يكتفي بالضغط من خلال الإعلام أو البرلمان، بل يسعى إلى فرض نفسه داخل المؤسسة الأعلى ارتباطاً بشرعية القيادة.
واللافت أن هذا التيار لم يتوقف عند حدود البيان، بل نقل المعركة إلى المجال العام عبر منابر إعلامية وسياسية، مهاجماً جناح التفاوض والرئيس مسعود بزشكيان، ومعتبراً أن فتح مضيق هرمز كان «خطأً استراتيجياً». كما جرى التركيز على خطاب الانتقام لدم خامنئي، بما جعل الخلاف يتجاوز تفاصيل التفاوض إلى سؤال أكثر جوهرية: من يملك القرار النهائي في نظام ما بعد خامنئي؟
الأخطر أن مجلس الخبراء نفسه كان من المؤسسات التي صاغها خامنئي بعناية شديدة، عبر فلاتر ولاء صارمة. وكان يفترض أن يكون أداة لضبط مرحلة ما بعده، لا ساحة لصراع الأجنحة. لكن ما حدث كشف أن حتى المؤسسات المصممة للحفاظ على وحدة النظام لم تعد قادرة على أداء وظيفتها القديمة.
وتتضح هذه الهشاشة أكثر عند النظر إلى موقع مجتبى خامنئي. فالمعطيات التي جرى تداولها حول عملية اختياره، ومنها عدم مشاركة 25 عضواً من أصل 84، وحصوله على 44 صوتاً فقط، تكشف أن شرعيته الداخلية ليست صلبة كما يحاول الإعلام الرسمي تصويرها. والفارق هنا واضح بين خامنئي الأب ومجتبى: الأول كان قادراً على تحويل المؤسسات إلى أدوات ضبط، أما الثاني فيجد نفسه أمام مؤسسات تتنازع باسمه وتستخدم موقعه في صراعاتها.
الأزمة لم تعد إذن حول سؤال: هل يفاوض النظام أم يصعّد؟ بل حول ما إذا كان رأي الولي الفقيه لا يزال فصل الخطاب. فعندما يطرح مسؤولون داخل النظام سؤالاً عن معنى وجود البرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي إذا كان المطلوب هو تنفيذ رأي المرشد وحده، فإن ذلك يمسّ جوهر نظرية ولاية الفقيه نفسها. لذلك جاءت ردود التيار المتشدد حادة، إلى حد الحديث عن «شبه انقلاب» ضد مجتبى ومحاولة إبعاد قيادة النظام.
في العمق، نحن أمام صراع بين خطين لحفظ النظام. الأول يريد استمرار ميراث خميني وخامنئي عبر التشدد، والنووي، والصواريخ، والجماعات التابعة، واستخدام أوراق مثل مضيق هرمز. والثاني يرى أن إنقاذ النظام يتطلب تفاوضاً وتراجعاً تكتيكياً وشراء الوقت. لكن خلف هذين الخطين تدور معركة أعمق: إعادة توزيع السلطة داخل نظام فقد مركز توازنه.
وهنا تكمن خطورة اللحظة. فكلما اتسع الشرخ داخل مجلس الخبراء، تراجعت قدرة النظام على التفاوض أو القمع أو إدارة أزماته من موقع موحد. وفي المقابل، يفتح هذا التفكك في قمة السلطة مساحة أوسع أمام المجتمع الإيراني والمقاومة المنظمة ووحدات المقاومة لتحويل ضعف رأس النظام إلى فرصة سياسية في الشارع.
إن أزمة مجلس الخبراء لا تكشف خلافاً عابراً، بل تعلن أن نظام ما بعد خامنئي دخل مرحلة جديدة: مرحلة لم تعد فيها المؤسسة الحارسة لولاية الفقيه قادرة على حماية وحدة النظام، بل أصبحت هي نفسها دليلاً على عمق التصدع في داخله.


