د. مصطفى عبدالقادر يكتب لـ(اليوم الثامن):

معادلة التحرر الوطني: لماذا ترفض المقاومة الإيرانية خيار التدخل الأجنبي؟

في خضم التجاذبات الجيوسياسية المعقدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يبرز التساؤل حول مستقبل إيران كأحد أكثر الملفات استعصاءً على الحل. وفي مؤتمر "إيران الحرة 2026" الذي انعقد في باريس، قدّم السيناتور الأمريكي الأسبق روبرت توريسيلي رؤية استراتيجية تتجاوز السجال السياسي التقليدي، لتضع النقاط على الحروف فيما يخص المسار الحتمي لعملية التغيير في إيران. إن هذه الرؤية تتركز حول ثنائية "الاعتماد على الذات" و"استحالة الإصلاح"، وهي ثنائية باتت تشكل جوهر النقاش في مراكز الأبحاث الدولية المعنية بالشأن الإيراني.

عقيدة التغيير: السيادة الوطنية والقرار المستقل

تُعدّ أطروحة روبرت توريسيلي، التي تتقاطع مع مواقف المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، تفكيكاً جذرياً للمقاربات التي تعول على التدخلات العسكرية أو "السيناريوهات الجاهزة" من الخارج. ففي قراءة تحليلية للمشهد، يتبين أن القوة الحقيقية للتغيير لا تكمن في الطائرات الحربية الأجنبية، بل في التنظيم المؤسسي والنشاط الميداني الذي تضطلع به القوى الوطنية داخل البلاد.

إن الاستراتيجية التي طرحها توريسيلي تؤكد على أن الحرية ليست "منحة" دولية، بل هي حق يُنتزع بأيدي الشعب. هذا التوجه يكتسب أهمية استراتيجية خاصة في الوقت الراهن؛ إذ يقطع الطريق على التكهنات التي تروج لفكرة "التغيير المفروض"، ويضع العبء الأخلاقي والسياسي على عاتق المجتمع الدولي في دعم التطلعات الديمقراطية للشعب الإيراني، بدلاً من البحث عن تسويات مؤقتة مع نظام لا يؤمن بمبدأ التعايش السلمي.

هشاشة الأنظمة الثيوقراطية: استحالة التغيير البنيوي

في معرض تحليله لطبيعة النظام الإيراني، يشدد توريسيلي على أن الخبرة المتراكمة على مدار 47 عاماً أثبتت أن نظام "ولاية الفقيه" يعتمد على عقيدة استمرارية البقاء عبر المناورة التكتيكية، وليس عبر التغيير الجوهري. إن السياسات التي يتبعها النظام في الوقت الحالي — من قمع للحريات إلى تضييق على التجمعات السلمية — تُفسّر في الأوساط التحليلية على أنها "أعراض خوف" من القاعدة الشعبية المتنامية، أكثر من كونها مظاهر قوة.

إن حادثة منع التجمعات السلمية في باريس مؤخراً، والتي أشار إليها توريسيلي باعتبارها تذكيراً بأساليب أجهزة الاستخبارات السابقة في افتعال الفوضى لتشويه صورة المعارضة، تعد نموذجاً ميدانياً يعكس تغلغل نفوذ النظام في محاولة لعرقلة أي حراك يهدف إلى توحيد صفوف القوى الديمقراطية. هذا السلوك يثبت أن النظام يدرك جيداً أن خطره الحقيقي ليس في "الضغوط الخارجية"، بل في تلك التنظيمات التي استطاعت أن تصمد وتنشط رغم كل محاولات التفكيك.

المقاومة كحقيقة ميدانية

بينما يرى البعض في المعارضة الإيرانية مجرد "فكرة سياسية"، تشير التقارير الميدانية المستقلة وشهادات مراقبي حقوق الإنسان إلى وجود شبكات مقاوِمة فاعلة على الأرض. إن الإشادة التي وجهها توريسيلي لما يُعرف بـ "أشرف 3" ليست مجرد إشادة رمزية، بل هي اعتراف استراتيجي بأن هناك "نموذجاً بديلاً" جاهزاً يمثل القطيعة مع نظام القمع.

إن التاريخ السياسي المعاصر يعلمنا أن الأنظمة التي تفتقد إلى الشرعية الشعبية لا يمكنها الاستمرار في مواجهة إرادة منظمة إلى ما لا نهاية. والربط الذي أجراه توريسيلي بين قضية حرية إيران وبين حركات التحرر العالمية، مثل أوكرانيا، يضع النضال الإيراني في سياق "القيم الكونية" التي ترفض الاستبداد.

الخاتمة: استحقاقات المستقبل

إن الدرس الأبرز من مؤتمر باريس ليس في الشعارات التي رُفعت، بل في تثبيت قواعد اللعبة السياسية للمرحلة القادمة. فالتغيير في إيران لن يكون نتاج صفقات خلف الأبواب المغلقة مع واشنطن أو غيرها، بل سيكون نتيجة تكامل المسارين: النضال الميداني المنظم في الداخل، والضغط الدبلوماسي العادل من الخارج الذي يعترف بإرادة الشعب الإيراني كشريك وحيد في تقرير المصير.

إن مستقبل إيران مرهون بمدى قدرة القوى الوطنية على التمسك بهذا المسار الاستراتيجي، بعيداً عن أوهام التدخل العسكري أو الرهان على إصلاحات وهمية. في نهاية المطاف، الشعوب التي تقرر أن تتحرر لا يمكن هزيمتها، لأنها تمتلك الرصيد الوحيد الذي لا يمكن مصادرته: الشرعية الشعبية.