عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):
إيران بين مطرقة الاستبداد وسندان التغيير.. قراءة في استراتيجيات المقاومة وتوازنات المشهد الجيوسياسي
في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة يبرز الملف الإيراني مجدداً بوصفه "عقدة جيوسياسية" تتقاطع عندها مصالح الأمن الإقليمي واستقرار الشرق الأوسط.. وفي سياق نقاشات شهدها البرلمان البريطاني مؤخراً طرحت السيدة مريم رجوي الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية رؤية استراتيجية تتجاوز المطالبات التقليدية بالإصلاح لتضع المجتمع الدولي أمام استحقاق حاسم يتعلق بـ "إسقاط النظام" كسبيل وحيد لاستعادة التوازن في المنطقة والعالم.
تفكيك بنية الأزمة.. الاقتصاد في مهالك السياسة
لا يمكن قراءة المشهد السياسي والاقتصادي الإيراني بمعزل عن التدهور المعيشي الحاد الذي يضرب عمق المجتمع؛ فوفقاً لتقارير حقوقية وميدانية مستقلة يعاني الاقتصاد الإيراني من تضخم هيكلي وتآكل في القدرة الشرائية للأسر حيث تتقاطع سياسات الإنفاق العسكري الخارجي مع تدهور الخدمات الأساسية.. هذا التناقض بين طموحات النظام الجيوسياسية وواقع المواطن المقهور يخلق "حالة من الاحتقان الدائم"، وتلعب وحدات المقاومة دوراً محورياً في هذا السياق ليس فقط كقوة تنظيمية بل كحالة تعبيرية عن رفض شعبي لم يعد يجد في القنوات الرسمية أي بارقة أمل للتغيير السلمي مما يدفع بنية النظام نحو المزيد من "العسكرة" الأمنية لمواجهة الاحتجاجات.
ثنائية القمع والارتباك الأمني
يرصد المراقبون الدوليون تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الإعدامات والاعتقالات التي تنفذها السلطات الإيرانية، وهو ما يُعد مؤشراً على "فقدان التوازن" لدى الأجهزة الأمنية.. وإن اعتقال الآلاف بمن فيهم كوادر تنتمي لـ منظمة مجاهدي خلق ليشير إلى أن النظام يتعامل مع الاحتجاجات ليس بوصفها مطالب حقوقية، بل بوصفها "تهديداً وجودياً" يمس بنية نظام الملالي، ومن الناحية الاستراتيجية يعتمد النظام على استراتيجية "تصدير الخوف"؛ إلا أن استمرار العمليات النوعية التي تنفذها المقاومة في الداخل الإيراني يؤكد فشل سياسة الترهيب في كسر العزيمة التنظيمية للشباب المشاركين في الانتفاضة.
أزمة الهوية السياسية بين "الملالي" والماضي الاستبدادي
ثمة إشكالية جيوسياسية تواجه المقاومة الإيرانية وهي محاولة النظام خلق استقطاب وهمي بين "حاضر نظام الملالي" و"الماضي الشاهنشاهي".. وإن الترويج لبقايا دكتاتورية الشاه التي يصفها خبراء ومراقبون غربيون بأنه محاولة لاستغلال معاناة الشعب لتشتيت جهود التغيير الحقيقي، وكذلك يمثل عقبة أمام تبلور جبهة وطنية ديمقراطية، ويشدد التحليل الاستراتيجي هنا على أن شعار "لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي" يعكس وعياً متزايداً لدى الشعب الإيراني بأن التغيير المنشود يجب أن يكون جذرياً.. ديمقراطياً، ومستقلاً عن أوهام الأنظمة الشمولية السابقة.
المجتمع الدولي.. من "الاحتواء" إلى "المواجهة الاستراتيجية"
الرؤية التي طرحتها المقاومة الإيرانية في البرلمان البريطاني تطالب المجتمع الدولي بالانتقال من مربع "الإدانات اللفظية" إلى "الإجراءات العملية".. ويتمثل جوهر هذه الرؤية في ضرورة تصنيف قوات حرس نظام الملالي كمنظمة إرهابية، وتقييد عمل السفارات والمراكز التابعة للنظام التي تُتهم بأنها غطاء لأنشطة أمنية واستخباراتية خارجية.. وإن هذا التحول في الموقف الدولي إذا ما تم لن يكون مجرد إجراء دبلوماسي فحسب بل سيغير "قواعد الاشتباك" في المنطقة ويضع حداً لسياسات التمدد الإقليمي التي يعتمد عليها النظام لتثبيت دعائم حكمه.
الحتمية الاستراتيجية للتغيير
إن استقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط بات مرهوناً بحل "المعضلة الإيرانية".. فإما استمرار الوضع الراهن الذي يغذيه البرنامج النووي وتوترات الإقليم، وإما دعم بديل ديمقراطي يتمتع بالقدرة على التنظيم والمقاومة في الداخل.. وإن المقاومة المنظمة بجناحها السياسي وعمقها الشعبي تقدم نفسها بوصفها الفاعل القادر على قيادة مرحلة انتقالية.. هذا بينما يظل الحوار الدولي حول إيران معلقاً بين دبلوماسية العقوبات واستراتيجيات الضغط، وتبقى الحقيقة الثابتة أن "إسقاط نظام الملالي" من الداخل عبر انتفاضة منظمة لم يعد مجرد شعار سياسي بل صار يُقرأ في الدوائر الاستراتيجية كحتمية لا بديل عنها لضمان أمن وسلم العالم.
عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري


