حيدر حسين سويري يكتب لـ(اليوم الثامن):
الضجيج والحراك الشعبي، من وجهة نظر اجتماعية
يُعدّ الحراك الشعبي أحد أبرز الظواهر الاجتماعية، التي تعبّر عن تفاعل المجتمع مع القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية التي تمسّ حياته اليومية. وفي خضم هذا الحراك يبرز ما يمكن تسميته بـ"الضجيج الاجتماعي"، وهو ذلك الكمّ الكبير من الأصوات والخطابات والآراء المتباينة، التي ترافق أي حركة جماهيرية وتسهم في تشكيل صورتها وتأثيرها.
من المنظور الاجتماعي، لا يُنظر إلى الضجيج بوصفه مجرد فوضى أو تشويش، بل باعتباره انعكاسًا طبيعيًا لتنوّع الفئات الاجتماعية واختلاف مصالحها وتصوراتها. فعندما تنخرط الجماعات المختلفة في التعبير عن مطالبها، تتعدد الخطابات وتتباين الرؤى، ما يخلق حالة من الجدل والنقاش العام. ويُعدّ هذا الجدل أحد المؤشرات المهمة على حيوية المجتمع وقدرته على إنتاج الأفكار وتداولها.
يرتبط الحراك الشعبي عادةً بوجود شعور جماعي بعدم الرضا تجاه أوضاع معينة، سواء كانت اقتصادية كالبطالة وارتفاع الأسعار، أو سياسية كضعف المشاركة في صنع القرار، أو اجتماعية كاتساع الفجوات الطبقية. وعندما تتراكم هذه المشكلات دون حلول فعالة، تتحول المشاعر الفردية إلى وعي جماعي يدفع الأفراد إلى المشاركة في الفعل الجماعي والمطالبة بالتغيير.
وفي هذا السياق، يؤدي الضجيج دورًا مزدوجًا. فمن جهة، يسهم في لفت انتباه الرأي العام وصناع القرار إلى القضايا المطروحة، ويمنح الفئات المهمشة فرصة لإيصال أصواتها. ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى تشتيت المطالب أو خلق حالة من الاستقطاب إذا طغت الشعارات الانفعالية على الحوار العقلاني. لذلك فإن نجاح الحراك الشعبي يعتمد إلى حد كبير على قدرته على تنظيم هذا التنوع وتحويله إلى مشروع اجتماعي واضح الأهداف.
يحكى: في يوم عاشوراء، كان المرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري واقفًا عند مدخل صحن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، يستقبل المواكب الحسينيّة الوافدة، وكان إلى جانبه أفندي، ممثّل الدولة العثمانيّة وحاكم العراق آنذاك.
سأل الأفندي الشيخ الأنصاري:
"يا شيخ، نحن نُقِرّ بأنّ الحسين (عليه السلام) قد استُشهِد مظلومًا، وأنّ (يزيد) كان إنسانًا دنيئًا وسفّاكًا، ونحن أيضًا نأسى لمصابه، ولكن سؤالي هو: ما معنى هذه المراسيم؟ اللطم على الصدور، وضرب السلاسل، ومسيرات العزاء، وطمّ التراب على الرؤوس... ما الغاية من كل هذا؟!"
فأجابه الشيخ الأنصاري:
"السرّ في الأمر هو أننا نحن الشيعةـ خُدِعنا مرّة، ونقيم هذه الشعائر لئلّا نُخدع مرّة أخرى!"
🔸فقال الأفندي متعجّبًا:
"وما تقصد؟!"
فقال الشيخ الأنصاري:
"في واقعة الغدير، نصّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) صراحةً، وأمام مئة ألفٍ من الناس، على أنّ عليًّا (عليه السلام) هو وصيّه وخليفته، لكنكم جئتم فيما بعد فأنكرتم الغدير، أو قلّلتم من شأنه، وقلتم: إنّه لا يعدو أن يكون مجرّد توصية بمحبّة عليٍّ (عليه السلام). الخطأ كان منّا، إذ لم نُعظِّم عيد الغدير بالضجيج والشعارات والاحتفال، فضاع الحقّ وانقلب الباطل سلطانًا. لذلك، خفنا أن يتكرّر الأمر مع كربلاء؛ فإن لم نُعظِّم عاشوراء بالهتاف والشعائر والمواكب، فربّما تقولون غدًا: لم يُقتل الحسين، أو قَتَلَته عصابة في الطريق، أو أنّ يزيد كان رجلًا صالحًا متّقيًا!"
لعبت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في تضخيم الضجيج المرتبط بالحراك الشعبي. فقد أصبحت هذه الوسائل ساحات مفتوحة للنقاش والتعبئة والحشد، لكنها في الوقت نفسه فتحت المجال أمام انتشار المعلومات المضللة والخطابات المتطرفة. ومن هنا تظهر أهمية الوعي المجتمعي والنقد الإعلامي في التمييز بين المعلومات الموثوقة والرسائل التي تهدف إلى التأثير السلبي في مسار الحراك.
إن الحراك الشعبي، رغم ما يرافقه من ضجيج واختلافات، يمثل في جوهره تعبيرًا عن ديناميكية المجتمع ورغبته في التطور. فالتحولات الاجتماعية الكبرى غالبًا ما تبدأ بأصوات متفرقة ومطالب متباينة قبل أن تتبلور في رؤى أكثر وضوحًا.
لذلك فإن فهم الضجيج المصاحب للحراك لا يكون من خلال رفضه أو الخوف منه، بل من خلال إدراك أسبابه ووظائفه الاجتماعية، والعمل على توجيهه نحو الحوار البنّاء والمشاركة المسؤولة.
بقي شيء...
في الختام، يمكن القول إن الضجيج والحراك الشعبي وجهان لعملية اجتماعية واحدة؛ فالأول يعكس تنوع الأصوات داخل المجتمع، والثاني يجسد حركته نحو التغيير. وبينهما تتشكل ملامح الوعي الجماعي الذي يسهم في بناء مجتمعات أكثر قدرة على التعبير عن مصالحها وتحقيق تطلعاتها.


