محاولة جديدة للعودة السياسية..

تقرير: الإخوان في السودان يعيدون تدوير مشروعهم عبر «الكتلة الإسلامية» رغم العزلة

"يسعى تنظيم الإخوان المسلمين في السودان إلى إطلاق كيان جديد تحت اسم «الكتلة الإسلامية» في محاولة لاستعادة نفوذه السياسي بعد سنوات من التراجع والعزلة. غير أن المتغيرات الداخلية والتصنيف الإرهابي والرفض الشعبي المتزايد تضع المشروع أمام تحديات قد تكون الأكبر في تاريخه."

الخرطوم

في وقت يواجه فيه تنظيم الإخوان المسلمين في السودان واحدة من أكثر مراحله صعوبة منذ تأسيسه، تتجه قياداته نحو إطلاق كيان سياسي جديد تحت مسمى "الكتلة الإسلامية"، في خطوة يرى فيها مراقبون محاولة جديدة لإعادة تدوير المشروع الإخواني والالتفاف على حالة الرفض الشعبي والسياسي التي رافقت التنظيم منذ سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019.

ولا تبدو هذه الخطوة معزولة عن السياق الذي يمر به السودان، فالحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، والانقسام السياسي الحاد، وتراجع مؤسسات الدولة، كلها عوامل وفرت بيئة تحاول بعض القوى استثمارها لإعادة التموضع داخل المشهد السياسي. غير أن خصوصية الحالة الإخوانية تجعل أي محاولة للعودة محاطة بقدر كبير من الشكوك والرفض، خصوصاً أن التنظيم يحمل إرثاً ثقيلاً من التجارب السياسية التي ما زالت حاضرة في ذاكرة قطاعات واسعة من السودانيين.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن قيادات إخوانية تجري اتصالات مع أحزاب ذات مرجعية دينية وبعض الطرق الصوفية والإدارات الأهلية لتشكيل تحالف واسع تحت اسم "الكتلة الإسلامية"، عبر مجلس تنسيق وأمانة عامة ولجان متخصصة تتولى إدارة النشاط السياسي والتنظيمي خلال المرحلة المقبلة. لكن كثيراً من المتابعين لا ينظرون إلى المشروع باعتباره مجرد إطار للتنسيق بين القوى الإسلامية، بل باعتباره محاولة منظمة لإعادة بناء النفوذ السياسي الذي فقده التنظيم بعد الإطاحة بنظامه.

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية لأنها تأتي في توقيت حساس يشهد إعادة رسم موازين القوى داخل السودان. فبعد سنوات من التراجع السياسي، يجد الإخوان أنفسهم خارج معظم المبادرات الإقليمية والدولية الخاصة بالأزمة السودانية، كما أن تصنيف التنظيم جماعة إرهابية في مارس 2026 زاد من حجم الضغوط المفروضة عليه، وأضعف قدرته على الحركة السياسية العلنية أو بناء علاقات خارجية يمكن أن تمنحه شرعية جديدة.

ويرى منتقدو التنظيم أن المشروع الجديد لا يختلف كثيراً عن المحاولات السابقة التي اعتمدت على تغيير الأسماء والعناوين دون مراجعة حقيقية للتجربة أو تقديم رؤية مختلفة للمستقبل. فمنذ نشأته، تنقل التنظيم بين مسميات متعددة شملت "الإخوان المسلمين" و"جبهة الميثاق الإسلامي" و"الجبهة الإسلامية القومية" ثم "المؤتمر الوطني"، قبل أن تظهر لاحقاً كيانات أخرى مثل "التيار الإسلامي العريض"، وصولاً إلى مشروع "الكتلة الإسلامية" المطروح حالياً.

هذا التاريخ الطويل من تغيير الواجهات السياسية جعل كثيراً من القوى المدنية تعتبر أن المشكلة ليست في الاسم بقدر ما هي في المشروع نفسه. فبالنسبة لهذه القوى، فإن كل تلك المسميات كانت تعبر عن بنية سياسية وتنظيمية واحدة حافظت على أهدافها وآليات عملها رغم تبدل الشعارات والعناوين.

ويعتقد عدد من المراقبين أن أحد الأهداف الرئيسية للمشروع الجديد يتمثل في توفير غطاء سياسي داعم لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، خصوصاً في ظل الحديث المتزايد عن ترتيبات سياسية مستقبلية قد تعيد تشكيل السلطة في السودان بعد انتهاء الحرب. وتعزز هذه القراءة تصريحات البرهان الأخيرة التي انتقد فيها بعض المبادرات الخارجية ودعا إلى حوار سوداني داخلي، وهي مواقف رأت فيها أطراف مدنية تقاطعاً مع الرؤية التي تدفع بها قوى إسلامية تسعى إلى استعادة نفوذها عبر التحالف مع المؤسسة العسكرية.

كما أن الدعوات التي أطلقتها شخصيات محسوبة على المعسكر المؤيد للجيش لترشيح البرهان للرئاسة أثارت مخاوف من وجود ترتيبات تهدف إلى إعادة إنتاج نموذج سياسي قريب من تجربة النظام السابق، وإن كان بأدوات جديدة وأسماء مختلفة. ويخشى معارضو هذا التوجه من أن يؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج الأزمة السودانية بدلاً من معالجتها، خصوصاً أن أحد أسباب اندلاع الثورة السودانية كان رفض استمرار هيمنة الإسلاميين على الدولة ومؤسساتها.

ورغم الجهود التنظيمية المبذولة لإنجاح مشروع "الكتلة الإسلامية"، فإن الواقع السياسي الحالي يبدو مختلفاً إلى حد كبير عن المراحل السابقة التي نجح خلالها الإخوان في إعادة تقديم أنفسهم عبر واجهات متعددة. فقد تغير المزاج العام داخل السودان، كما شهدت المنطقة بأكملها تحولات عميقة في نظرتها إلى تنظيمات الإسلام السياسي، الأمر الذي قلص المساحات التي كانت متاحة سابقاً أمام هذه الجماعات للمناورة وإعادة التموضع.

كما أن الحرب الحالية وما خلفته من مآسٍ إنسانية وانهيار اقتصادي واسع النطاق جعلت الأولويات الشعبية تتجه نحو إنهاء الصراع وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتوفير الخدمات الأساسية، بدلاً من الانشغال بالمشروعات الأيديولوجية أو الصراعات السياسية التقليدية. وفي ظل هذا الواقع، تبدو قدرة أي تيار على استعادة حضوره مرتبطة بمدى امتلاكه مشروعاً وطنياً جامعاً يستجيب لمتطلبات المرحلة، وليس بمجرد إعادة إنتاج الهياكل التنظيمية القديمة تحت مسميات جديدة.

وتتزايد المخاوف أيضاً من أن تكون محاولة تشكيل "الكتلة الإسلامية" مقدمة لإعادة بناء الشبكات السياسية والاقتصادية التي ارتبطت بالتنظيم خلال العقود الماضية، وهو ما قد يعيد إنتاج حالة الاستقطاب التي عانى منها السودان لفترات طويلة. كما أن اتهامات طالت مجموعات محسوبة على الإسلاميين خلال سنوات الحرب الأخيرة تجعل أي عودة محتملة للتنظيم محل تدقيق ومراقبة من قبل القوى السياسية والمدنية.

وفي المقابل، يواجه الإخوان معضلة أساسية تتمثل في تراجع قدرتهم على إقناع الشارع السوداني بأنهم يمثلون مشروعاً جديداً أو مختلفاً عن التجربة السابقة. فسنوات الحكم الطويلة وما رافقها من أزمات اقتصادية وعزلة خارجية وصراعات داخلية ما زالت حاضرة بقوة في الذاكرة العامة، وهو ما يجعل عملية استعادة الثقة أكثر تعقيداً من مجرد إطلاق اسم جديد أو تشكيل تحالف سياسي جديد.

ومع استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية، تبدو محاولة الإخوان للعودة إلى المشهد السياسي محكومة بتحديات كبيرة تتجاوز الحسابات التنظيمية التقليدية. فالسودان الذي خرجت جماهيره قبل سنوات مطالباً بالتغيير لم يعد كما كان، والبيئة الإقليمية التي ساعدت التنظيم في مراحل سابقة على إعادة التموضع تبدلت بصورة واضحة، كما أن الضغوط السياسية والقانونية المفروضة عليه اليوم تجعل أي محاولة للعودة أكثر صعوبة وكلفة.

لهذا يرى كثير من المراقبين أن مشروع "الكتلة الإسلامية" قد يكون أحدث حلقات مسلسل تغيير الأسماء والواجهات الذي اتبعه التنظيم لعقود، لكنه يواجه هذه المرة واقعاً مختلفاً تماماً، حيث أصبح الرهان على تبديل المسميات وحده أقل قدرة على تجاوز ذاكرة السودانيين أو إقناعهم بطي صفحة ما زالت تداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية حاضرة حتى اليوم.