هاني مسهور يكتب:
الإمارات لا تغادر أوبك.. الإمارات تغادر زمنًا كاملًا
لم يعد العالم يُدار بالاتفاقات الثقيلة، ولا بالأطر التي صُممت لزمن انتهى.
بعد الحرب الأمريكية على إيران، لم يتغير ميزان القوى فحسب، تغيّر تعريفه، لم تعد الجغرافيا السياسية وحدها تحكم المشهد، دخلت الجغرافيا الاقتصادية إلى قلب المعادلة، وفرضت ديناميكيات جديدة تعيد كتابة قواعد اللعبة.
في هذه اللحظة، جاء قرار الإمارات بالخروج من أوبك ليس كخبر اقتصادي، ولا كحركة تكتيكية تحت ضغط اللحظة، وإنما كإعلان سيادي استراتيجي اقتصادي يعيد رسم موقع الدولة في معادلة الطاقة العالمية، أي قراءة تختزله في خلاف خليجي قراءة مريحة وقاصرة، ما يجري أعمق .. تباين بنيوي في تعريف الدولة ودورها وأدواتها.
العالم بعد حرب إيران ليس كما قبله، الطاقة لم تعد سلعة فقط، أصبحت أداة سيادية، الممرات البحرية لم تعد خطوط عبور، أصبحت نقاط اشتباك، الأسواق لم تعد تستجيب للقرارات، أصبحت تُعاد صياغتها عبرها.
هنا تتحرك الإمارات وفق نموذج حداثي متقدم يربط الطاقة بالتكنولوجيا، والسيادة بالاقتصاد، والقرار بالمرونة، الأطر التقليدية، ومنها أوبك، لا تزال تعمل بإيقاع جماعي ثقيل يستهلك الوقت أكثر مما يصنع القرار، هذا التباين لم يولد اليوم، كان يتراكم بصمت، ثم خرج إلى العلن في لحظة لم تعد تحتمل التأجيل.
الإمارات في جوهرها نموذج غير تقليدي داخل منطقة مضطربة ومتصارعة، هذا النموذج لم يتشكل كرد فعل، إنما كخيار واعٍ طويل المدى، بعد 28 فبراير/شباط، تاريخ الاعتداء الإيراني وما تبعه من تحولات إقليمية، انكشفت حدود النماذج التقليدية، وتصاعدت سياسات متشنجة من السودان إلى الجنوب العربي إلى صوماليالاند، في مشهد تتداخل فيه الفوضى مع الحسابات الإقليمية.
في سوق الطاقة اليوم، لم يعد السؤال كم تنتج الدول، السؤال الحقيقي متى تستطيع أن تتحرك، من يملك القدرة على الاستجابة السريعة يملك الاستقرار، ما يجري في مضيق هرمز لم يعد تفصيلاً جيوسياسيًا، أصبح ما يحدد أسعار الغذاء وكلفة النقل واستقرار الحياة اليومية. أي اضطراب هناك يتحول فورًا إلى أزمة عالمية.
الإمارات قرأت هذه المعادلة مبكرًا، لم تنتظر إجماعًا لا يأتي، ولم تراهن على بطء الآخرين، تحركت وفق مصلحتها الوطنية، ووضعت نفسها في موقع الفاعل لا المنتظر، هذا القرار يعيد طمأنة الأسواق ويمنح الشركاء وضوحًا وثقة في الإمدادات، الأسواق لا تخاف من القوة، تخاف من الغموض، وكلما زادت قدرة المنتجين الموثوقين على الاستجابة، تراجعت المخاوف وارتفعت الثقة.
ما يحدث ليس خروجًا من أوبك، هو خروج من منطق كامل لم يعد صالحًا، انتقال إلى دور أعلى تُقاس فيه الدولة بقدرتها على التأثير في إيقاع السوق لا مجرد الالتزام بقواعده.
هنا يتضح معنى الرؤية التي عبّر عنها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ـ رئيس دولة الإمارات ـ حين أكد أن الإمارات لا تعمل من أجل هذا الجيل فقط، وإنما لتأمين مستقبل الأحفاد، هذه ليست عبارة رمزية، هذا تعريف عملي للسيادة، قرار طويل المدى، لا يخضع لضغط اللحظة، ولا يُدار بعقل الأزمة.
الحديث عن "خلاف خليجي" تبسيط يُخفي التحول الحقيقي، ما يحدث افتراق في الرؤية، في تعريف القوة، في قراءة المستقبل، الإمارات لا تعارض أحدًا، الإمارات تعيد تعريف نفسها، وفي زمن تتغير فيه قواعد اللعبة، من لا يعيد تعريف موقعه يُعاد تعريفه.
خروج الإمارات من أوبك لن يكون نهاية مسار، سيكون بداية مسار أوسع، مسار يقوم على الاستقلال الاستراتيجي، وعلى اتخاذ قرارات متتالية تعزز المرونة، وتحقق أعلى درجات الأمن والاستقرار، وتضع المصلحة الوطنية في موقع الفعل لا رد الفعل.
الإمارات لا تكتفي بإعادة تعريف دورها، بل تمضي نحو كتابة قواعد جديدة في عالم تغيّر بالفعل، ولن يعود كما كان.


