إيران بين القمع والتغيير..

مؤتمر في البرلمان البريطاني يجدد دعم المعارضة الإيرانية لمشروع الجمهورية الديمقراطية

"في رسالة حملت أبعاداً سياسية تتجاوز حدود المؤتمر، أكدت مريم رجوي أن مستقبل إيران لا يصنعه التفاوض مع النظام أو تعديل سلوكه، بل التغيير الذي يقوده الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، في مواجهة ما تصفه المعارضة بأخطر مراحل القمع والتدهور التي تعيشها البلاد."

زعيمة المعارضة الإيرانية مريم رجوي

محرر الشؤون الإيرانية
محرر الشؤون الإيرانية وبيانات المعارضة الإيرانية.

في وقت تتجه فيه الأنظار الدولية نحو مسار المفاوضات والاتصالات السياسية المتعلقة بالملف الإيراني، تحاول المعارضة الإيرانية إعادة توجيه النقاش نحو سؤال أكثر عمقاً يتعلق بطبيعة النظام الحاكم نفسه، وليس فقط بسياساته النووية أو الإقليمية. ومن هذا المنطلق جاءت كلمة السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، خلال المؤتمر الذي عقد في البرلمان البريطاني، لتقدم رؤية مختلفة لمستقبل إيران وللأزمة المستمرة منذ أكثر من أربعة عقود.

الرسالة التي وجهتها رجوي من لندن لم تكن مجرد خطاب سياسي موجه إلى الحضور داخل البرلمان البريطاني، بل محاولة لإعادة صياغة النقاش الدولي حول إيران في مرحلة تشهد تحولات إقليمية ودولية متسارعة. ففي الوقت الذي تركز فيه القوى الغربية على احتواء البرنامج النووي الإيراني ومنع طهران من امتلاك قدرات عسكرية نووية، ترى المعارضة أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير، وأن الأزمة ترتبط ببنية النظام السياسية والأمنية التي أنتجت، بحسب وصفها، القمع الداخلي والتدخلات الخارجية في آن واحد.

وترسم المعارضة الإيرانية صورة قاتمة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد. فبحسب رجوي، يعيش الإيرانيون تحت ضغوط معيشية متزايدة نتيجة السياسات الاقتصادية للنظام، حيث تواجه شرائح واسعة صعوبات في تأمين الاحتياجات الأساسية من الغذاء والدواء، فيما تتزايد معدلات البطالة والفقر بصورة مستمرة. وتقول المعارضة إن النساء يدفعن الثمن الأكبر لهذه الأزمات، سواء من خلال التمييز القانوني أو التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة.

لكن اللافت في خطاب رجوي أنها لم تكتف بوصف حجم الأزمة، بل ركزت بصورة أساسية على ما وصفته بـ"آفاق التغيير"، معتبرة أن الأمل الحقيقي لدى الإيرانيين لا يرتبط بالمفاوضات الدولية أو التفاهمات الدبلوماسية، بل بقدرة المجتمع الإيراني على فرض تحول سياسي من الداخل.

وتؤكد المعارضة أن النظام الإيراني يدرك حجم التحدي الذي يواجهه داخلياً، وهو ما يفسر -بحسب روايتها- تصاعد وتيرة الإعدامات والاعتقالات والتضييق الأمني خلال الأشهر الأخيرة. وتشير إلى أن السلطات كثفت عمليات الملاحقة الأمنية وفرض القيود على الإنترنت ووسائل الاتصال، في محاولة لمنع أي حراك احتجاجي واسع قد يعيد مشاهد الانتفاضات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.

وتضع منظمة مجاهدي خلق ووحدات المقاومة التابعة لها نفسها في قلب هذا المشروع التغييري. فالمعارضة تعتبر أن النشاط الميداني لهذه الشبكات يمثل العمود الفقري لأي انتفاضة مستقبلية، وأن النظام ينظر إليها باعتبارها التهديد الأكثر جدية لاستمراره.

ومن خلال استحضار عمليات وهجمات تقول المعارضة إنها نفذتها ضد مواقع ومؤسسات تابعة للنظام، تحاول رجوي تقديم صورة مفادها أن المعارضة لم تعد مجرد حركة سياسية في المنفى، بل باتت تمتلك حضوراً داخل المشهد الإيراني وقادرة على تحدي السلطة في الداخل.

وفي المقابل، يواصل النظام الإيراني رفض هذه الرواية ويصف منظمة مجاهدي خلق بأنها جماعة معارضة لا تحظى بقاعدة شعبية واسعة داخل البلاد، غير أن المعارضة تستند إلى حجم الإجراءات الأمنية المتخذة ضد أعضائها ومؤيديها باعتباره دليلاً على القلق الرسمي من تنامي نفوذها.

إلى جانب المواجهة مع النظام الحالي، خصصت رجوي جزءاً مهماً من خطابها للهجوم على أنصار النظام الملكي السابق. وهذه النقطة تكشف طبيعة المعركة السياسية التي تخوضها المعارضة الإيرانية، إذ تحاول تقديم نفسها بوصفها بديلاً ثالثاً بين الجمهورية الإسلامية من جهة، والعودة إلى حكم الشاه من جهة أخرى.

وترى المعارضة أن بعض الجماعات المرتبطة بالنظام الملكي السابق تحاول استغلال حالة الغضب الشعبي من أجل إعادة إنتاج نموذج الحكم الذي أطاحت به الثورة الإيرانية عام 1979، وهو ما ترفضه بشكل قاطع. ولهذا تكرر باستمرار شعار "لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي"، باعتباره التعبير السياسي عن مشروعها القائم على إقامة جمهورية ديمقراطية.

ويبدو أن هذا الشعار أصبح أحد أهم المرتكزات التي تعتمد عليها المعارضة في تسويق مشروعها أمام الرأي العام الإيراني والدولي، خصوصاً في ظل الجدل المتصاعد حول شكل النظام الذي يمكن أن يخلف الجمهورية الإسلامية إذا شهدت إيران تحولاً سياسياً مستقبلاً.

ومن الناحية الإقليمية، استثمرت رجوي التطورات العسكرية والسياسية الأخيرة لتأكيد رؤيتها بأن أزمات الشرق الأوسط مرتبطة بصورة مباشرة بسياسات النظام الإيراني. فبحسب المعارضة، فإن تدخلات طهران في دول المنطقة ودعمها للجماعات المسلحة المختلفة كان أحد أهم أسباب استمرار التوترات والحروب الإقليمية خلال العقود الماضية.

وتقول إن الاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق بصورة دائمة ما دام النظام الحالي مستمراً في الحكم، لأن فلسفته السياسية تقوم على تصدير الأزمات وتوسيع النفوذ الإقليمي كوسيلة لحماية سلطته في الداخل.

كما تربط المعارضة بين الملف النووي الإيراني وبقاء النظام، معتبرة أن مشروع التسلح النووي ليس مجرد برنامج استراتيجي، بل جزء من آلية الردع التي يستخدمها النظام لضمان استمراره وإطالة عمره السياسي.

وفي هذا السياق، تؤكد أن إسقاط النظام يمثل الحل الوحيد لإنهاء المخاوف المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وإنهاء ما تصفه بمصادر الإرهاب والتطرف المرتبطة بطهران.

وتحاول المعارضة استثمار هذه الرؤية لحشد مزيد من الدعم الدولي، وهو ما انعكس في الدعوات التي وجهتها رجوي إلى الحكومة البريطانية لاتخاذ خطوات أكثر تشدداً تجاه إيران، بما في ذلك تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، وتشديد الإجراءات ضد المؤسسات والجهات التي تتهمها المعارضة بالعمل لصالح النظام داخل أوروبا.

كما طالبت بوقف ما وصفته بحالة الصمت الدولي تجاه الإعدامات والانتهاكات الحقوقية داخل إيران، معتبرة أن استمرار هذا الصمت يمنح السلطات الإيرانية مساحة أوسع لمواصلة سياسات القمع دون محاسبة.

ورغم أن هذه المطالب ليست جديدة، فإن توقيتها يكتسب أهمية خاصة في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة، والضغوط المتزايدة التي يواجهها النظام الإيراني على المستويين الداخلي والخارجي.

وتعكس كلمة مريم رجوي في البرلمان البريطاني محاولة واضحة لتقديم المعارضة الإيرانية بوصفها مشروعاً سياسياً متكاملاً وليس مجرد حركة احتجاجية. فهي تسعى إلى إقناع المجتمع الدولي بأن البديل عن النظام الحالي لا يتمثل في الفوضى أو العودة إلى الماضي، بل في إقامة جمهورية ديمقراطية تستند إلى الانتخابات والتعددية السياسية وفصل الدين عن الدولة.

ويبقى نجاح هذا المشروع مرهوناً بقدرته على التحول من خطاب سياسي معارض إلى قوة قادرة على التأثير المباشر في الداخل الإيراني، في وقت يواصل فيه النظام الاعتماد على أدواته الأمنية والعسكرية للحفاظ على سلطته. وبين هذين المسارين، تبدو إيران مقبلة على مرحلة ستزداد فيها المواجهة بين مشروع التغيير الذي تطرحه المعارضة ومنظومة الحكم التي ما تزال تملك أدوات الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية.