سركول الجاف تكتب لـ(اليوم الثامن):
إيران عند مفترق التحول: هل تقود النساء معادلة الانتقال الديمقراطي؟
عشية اليوم العالمي للمرأة، عُقد مؤتمر دولي في 21 فبراير/شباط 2026، بمشاركة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، لإعادة تأكيد فرضية باتت بارزة في خطاب المعارضة: لا يمكن تحقيق انتقال ديمقراطي ذي مصداقية في إيران دون أن تكون المرأة في صميم السلطة السياسية. لم يُقدّم المؤتمر، الذي عكس زخماً متزايداً في الأوساط البرلمانية الأوروبية واللاتينية، خطاباً عاطفياً، بل عرض إطاراً سياسياً جاهزاً مُجسّداً في خطة النقاط العشرة التي اعتمدها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.
كانت الرسالة ذات شقين: رفض قاطع لحكم الملالي، ورفض مماثل لإعادة إنتاج الاستبداد تحت أي غطاء. ويعكس هذا الموقف إدراكاً بأن نضال إيران ليس ضد سلطة قائمة فحسب، بل ضد نظام حكم يعيد تدوير نفسه بأقنعة مختلفة.
العمق التنظيمي مقابل هشاشة النظام
أشادت شخصيات دولية، من بينها ميشيل أليو ماري وأنيلي ياتنماكي، بالهيكل التنظيمي للمقاومة، ولا سيما حقيقة أن النساء يشكلن أكثر من 56% من قيادتها. هذه النسبة ليست مجرد تفصيل رمزي، بل هي مؤشر على تحول بنيوي في مفهوم القيادة داخل الحركة.
في المقابل، يبدو النظام الإيراني أكثر انكشافاً فالإعدامات المتصاعدة والقمع الممنهج، كما وثقتها بعثات تقصي الحقائق، تعكس منطق سلطة تعاني من أزمة، تستبدل الشرعية بالقوة. إن سياسة الفصل بين الجنسين ليست انحرافاً عرضياً، بل هي حجر الزاوية في السيطرة على المجتمع من خلال إخضاع المرأة.
لذلك، فإن أي انتفاضة نسوية تضرب في صميم البنية الأيديولوجية للنظام.
تفكيك سردية "البديل البهلوي"
كان من أبرز نقاط الإجماع في المؤتمر رفض إعادة تقديم ابن الشاه كبديل سياسي. وأكدت شخصيات مثل كارلا ساندز وإنغريد بيتانكور أن الحكم الوراثي لا يمنح شرعية ديمقراطية، وأن استبدال العمامة بالتاج لا يغير جوهر الحكم الاستبدادي.
يتجاوز هذا الرفض الجانب الرمزي؛ فهو ينبع من تقييم استراتيجي: أي مشروع يفتقر إلى قاعدة تنظيمية داخلية وشبكات فعّالة، مثل "وحدات المقاومة" النسائية داخل إيران، سيظل معتمداً على الدعم الخارجي والإعلامي، بدلًا من قوة اجتماعية حقيقية.
تُقاس الشرعية هنا بالقدرة على التعبئة الداخلية، لا بالذاكرة التاريخية أو الحنين السياسي.
الأمن الإقليمي والملف النووي كلفة بقاء النظام
حذّرت روزاليا أرتيغا سيرانو وآنا هيلينا تشاكون إتشيفيريا من أن القمع الداخلي يُكمّله سلوك توسعي خارجي، يُنفّذ عبر قوات الأمن التي تنشر عدم الاستقرار. ويُشير إدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب في العديد من البرلمانات الأوروبية إلى تحوّل تدريجي في نهج الغرب من الاحتواء إلى الردع.
في هذا السياق، لم تعد القضية النووية منفصلة عن ملف حقوق الإنسان.
فقد يلجأ نظام يفتقر إلى الشرعية الداخلية ويواجه مجتمعاً متغيّراً إلى التصعيد النووي كورقة ضغط.
لذا، فإن دعم بديل ديمقراطي منظم ليس واجباً أخلاقياً فحسب، بل هو أيضاً استثمار في الاستقرار الإقليمي.
المرأة كمحرك للتغيير لا كرمز
أكدت المداخلات، من هيلين غودمان إلى إيلي فان ويك، أن المرأة الإيرانية ليست ضحية تنتظر الإنقاذ، بل هي فاعلة سياسية تقود الانتفاضة.
ويعكس شعار "المرأة، المقاومة، الحرية" تحولاً من المطالبة بالحقوق إلى صياغة مشروع بناء الدولة.
ويتوافق هذا النهج مع تجربة المقاومة في معسكر أشرف 3، الذي وصفه برلمانيون أوروبيون بأنه نموذج للانضباط التنظيمي والرؤية المستقبلية. فالقيادة النسائية هنا ليست مجرد واجهة سياسية، بل هي هيكل شامل لصنع القرار يتحدى منطق الاستبداد الديني والبهلوي على حد سواء.
لحظة حاسمة بين الاستمرارية والقطيعة.
المعادلة التي طرحها المؤتمر واضحة: إما استمرار نظام يرسخ القمع الممنهج والإفلات من العقاب، أو الانتقال إلى جمهورية ديمقراطية تفصل الدين عن الدولة وتتبنى المساواة الكاملة. لم يعد السؤال "هل" سيتغير النظام، بل "كيف" و"بأي رؤية؟".
في ظل تصاعد الاحتجاجات وانهيار حاجز الخوف، يبدو أن الوقت ليس في صالح طهران.
يكمن الاختبار الحقيقي في قدرة المجتمع الدولي على التحول من سياسة الاسترضاء إلى سياسة المساءلة، ودعم بديل منظم ذي برنامج سياسي واضح وقيادة نسائية ذات خبرة مثبتة.
إن المأزق الذي تمر به إيران حالياً ليس مجرد اختبار لنظام الملالي، بل هو اختبار لالتزام العالم بدعم انتقال ديمقراطي حقيقي.
وفي هذا الاختبار، تبدو القيادة النسائية العامل الحاسم الذي سيحدد ما إذا كان الاستبداد سيستمر أم ستُقام جمهورية حرة.


