موسى المعاني يكتب لـ(اليوم الثامن):

رحلة لاريجاني إلى لبنان: رمز لتدخلات النظام الإيراني المدمرة

 كانت زيارة علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي للنظام الإيراني إلى لبنان في أغسطس 2025 أكثر من مجرد زيارة دبلوماسية عادية؛ حيث كانت رمزًا واضحًا لمحاولات طهران الحفاظ على نفوذها في المنطقة من خلال دعم الجماعات المسلحة مثل حزب الله.. لقد جاءت هذه الزيارة في ظل تصاعد التوترات الداخلية في لبنان حيث قوبلت بترحيب حار من حزب الله؛ لكنها في الوقت ذاته أثارت انتقادات حادة من قبل المسؤولين الحكوميين والرأي العام اللبناني.

 لاريجاني الذي يمثل المرشد الأعلى علي خامنئي مباشرة زار بيروت في وقت أقرت فيه الحكومة اللبنانية مؤخرًا خطة تاريخية لنزع سلاح حزب الله - وهي خطة تهدد مصالح النظام الإيراني بشكل مباشر؛ هذا الحدث لم يسلط الضوء فقط على التدخلات المستمرة لطهران في الشؤون الداخلية اللبنانية بل أثار أيضًا استياءً عامًا من نظام أثار عدم الاستقرار في المنطقة لعقود على حساب الشعب الإيراني.

خلال زيارته التقى لاريجاني بمسؤولين لبنانيين رئيسيين بمن فيهم الرئيس جوزف عون ورئيس الوزراء نواف سلام.. كما التقى بنعيم قاسم الأمين العام لحزب الله، ونقل رسالة دعم قاطعة من النظام الإيراني لهذه الجماعة. في مؤتمر صحفي عقب هذه اللقاءات ادعى لاريجاني أن إيران لا تعتزم التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، وأنها مستعدة للمساعدة في إعادة إعمار لبنان؛ ولكن فقط إذا طلبت الحكومة اللبنانية ذلك. 

جاءت هذه الادعاءات في الوقت الذي أفادت فيه مصادر إخبارية مثل دويتشه فيله بأن زيارة لاريجاني جاءت مباشرة بعد موافقة الحكومة اللبنانية على خطة نزع سلاح حزب الله، وهي خطة أثارت انسحاب نواب الطائفة الشيعية من البرلمان احتجاجًا، وردًا على أسئلة الصحفيين اللبنانيين حول تدخل إيران في شؤون لبنان قال لاريجاني بنبرة حادة: "من يضع خططًا للبنان من آلاف الكيلومترات هو من يتدخل وليس نحن"، واعتُبرت هذه التصريحات مهينة، وكانت دليلاً على إنكار واضح للواقع الذي أدخل لبنان في أزمات حادة لسنوات.

من أبرز جوانب هذه الزيارة رفض وزير الخارجية اللبناني يوسف راجي لقاء لاريجاني بشكل قاطع حيث أعلن راجي في بيان رسمي أنه حتى لو كان لديه وقت لما وافق على لقاء ممثل النظام الإيراني معتبرًا أن هذا اللقاء يتعارض مع المصالح الوطنية اللبنانية، وقد كان هذا الموقف جزءًا من موجة واسعة من الاحتجاجات ضد تدخلات إيران، وأكد مسؤولون لبنانيون بما في ذلك الرئيس عون خلال لقائهم بلاريجاني أن صداقة إيران يجب أن تكون مع جميع اللبنانيين وليس مع جماعة معينة مثل حزب الله، وقد قال عون صراحة أن نزع سلاح حزب الله قرار داخلي لبناني لا علاقة لطهران به، وتعكس هذه التصريحات الاشمئزاز العميق في المجتمع اللبناني من الدور المدمر للنظام الإيراني الذي حول لبنان إلى ساحة للحروب بالوكالة من خلال تمويل حزب الله وتسليحه.

امتدت المواقف ضد لاريجاني إلى ما هو أبعد من المسؤولين الحكوميين حيث أفادت وسائل الإعلام اللبنانية والدولية أن زيارته رافقتها احتجاجات واسعة، وبعد يوم واحد من مغادرة لاريجاني لبنان هدد نعيم قاسم الأمين العام لحزب الله الحكومة اللبنانية بالحرب الأهلية قائلاً إن نزع سلاح حزب الله "خطأ كبير" وقد يؤدي إلى تدمير لبنان؛ وقد ارتبط هذا التهديد مباشرة بزيارة لاريجاني.. حيث أفادت مصادر مثل العربية أن لاريجاني حمل رسالة "دعم قاطع" من إيران لحزب الله، ورد حزب القوات اللبنانية بأن حزب الله لا يملك القدرة على المواجهة، وأن لاريجاني فوجئ بوحدة اللبنانيين ضد التدخل الإيراني، وتعود هذه التوترات إلى قرار الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، حيث كلفت الحكومة الجيش بإعداد خطة له بحلول نهاية العام.

تُوِجت هذه المواقف الجريئة باجتماع طارئ عقد يوم الثلاثاء 19 أغسطس؛ حيث اجتمع نواب وشخصيات سياسية من الجبهة السيادية في مكتب النائب اللواء أشرف ريفي في الأشرفية، وأصدروا بيانًا تاريخيًا أكدوا فيه أن لبنان يمر بمرحلة مصيرية في مواجهة الهيمنة الإيرانية التي استمرت لعقود وأثقلت البلاد بالقمع والاغتيالات والغزوات مشددين على أن الحكومة الحالية عازمة على إنهاء حالة السلاح غير الشرعي الذي ترعاه وتُشغله الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وأشار المجتمعون إلى أن تصريحات الشيخ نعيم قاسم الأخيرة حملت تهديدًا مباشرًا للشعب اللبناني بكامله.. ما يعرض البلاد لخطر داهم؛ ولذا قرروا اللجوء إلى القضاء اللبناني عبر تقديم شكوى أمام النيابة العامة التمييزية ضد نعيم قاسم وكل من يظهره التحقيق شريكًا أو محرضًا أو فاعلاً، وأوضح البيان أن الشكوى ستستند إلى مواد قانونية محددة (288، 295، 303، 307، 317 معطوفة على المادة 24 وما يليها من القانون رقم 137/59 المعدل).. كما كلف المجتمعون النائب أشرف ريفي إجراء الاتصالات اللازمة مع زملائه النواب للتقدم بهذه الشكوى الجزائية مؤكدين أن السكوت عن هذه التهديدات يعد تفريطًا بأمن اللبنانيين وسيادة الدولة.

يأتي هذا الموقف غير المسبوق بعد أن طال أمد تدخلات النظام الإيراني في لبنان؛ حيث أنفقت طهران من خلال حزب الله مليارات الدولارات من موارد الشعب الإيراني، وما زالت تواصل ذلك للحفاظ على نفوذها في حين أدخلت لبنان في أزمات اقتصادية وسياسية، وتشير التقارير الإعلامية إلى أن حزب الله لن يكون قادرًا على مواصلة نشاطه دون الدعم المالي والتسليحي من إيران، وهذا الدعم يساهم مباشرة في زعزعة استقرار لبنان.

كانت رحلة لاريجاني إلى لبنان في نهاية المطاف فشلًا دبلوماسيًا آخر للنظام الإيراني.. فقد جاء مدعيًا عدم التدخل؛ لكنه في الواقع نقل رسالة تهديد ودعم لحزب الله مما أدى على الفور إلى تهديد قاسم بالحرب الأهلية، تُظهر هذه الأحداث عزلة طهران المتزايدة في المنطقة.. فالنظام الذي تحدى العالم لعقود بالقمع الداخلي والإرهاب الخارجي يواجه الآن مقاومة لا يمكنه تجاهلها، والاشمئزاز من النظام الإيراني ليس فقط في لبنان بل في الشرق الأوسط بأسره، وينبع هذا من حقيقة أن طهران تروج لعدم الاستقرار بدلاً من السلام.. في حين أن شعبي لبنان وإيران يستحقان الحرية من هذه التدخلات، وهنا وفي سياق هذه الأحداث قد يكون نزع سلاح حزب الله خطوة كبيرة نحو الاستقرار.. لكن طالما بقي النظام الإيراني في السلطة ستظل هذه الآمال بعيدة المنال.

نحن في الأردن أيضًا ومع تلاقي المواقف مع أحد الشخصيات اللبنانية البارزة كالدكتور مصطفى علوش الذي يمثل وجهة نظر شعبية واسعة في لبنان؛ نرى أهمية توجيه دعوة إلى الحكومات العربية لاتخاذ موقف موحد وحازم تجاه السياسات الإيرانية التي تزعزع الاستقرار في المنطقة، وذلك عبر رسائل واضحة قد تتدرج من درجة التحذير السياسي إلى إجراءات أكثر صرامة متضمنةً بحث سبل دعم القوى الوطنية الإيرانية المتمثلة في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية الساعية إلى إقامة حكم ديمقراطي في إيران وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

موسى المعاني – وزير أردني سابق