قواعد جديدة..

قراءة في رسائل أنور قرقاش: نهاية مرحلة حسن النية مع طهران

تشير قراءة رئيس تحرير صحيفة البيان لتصريحات أنور قرقاش إلى تحول استراتيجي في السياسة الخليجية تجاه إيران، يتجاوز رد الفعل الآني نحو إعادة صياغة شاملة لمعادلة الأمن الإقليمي، مع رفع سقف المطالب وتبلور مفهوم مستقل للأمن الخليجي.

الدكتور أنور بن محمد قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات

أبوظبي

لم تعد التصريحات التي أطلقها الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، مجرد تعبير سياسي عابر في لحظة تصعيد؛ بل باتت، وفق قراءة رئيس تحرير صحيفة البيان حامد بن كرم، مؤشراً على تحول استراتيجي عميق في مقاربة دول الخليج للملف الإيراني.

ويقول بن كرم إن توزيع تصريحات قرقاش على تغريدتين لم يكن تفصيلاً عابراً، بل يعكس تعددية في الرسائل وتراتبية في الأولويات، ما يوحي بأن الموقف لا يقتصر على رد فعل، بل يمثل “بوصلة” ترسم ملامح المرحلة المقبلة.

وبحسب هذا التحليل، فإن السياسة الخليجية تجاه إيران تتجه إلى إعادة صياغة جذرية، بحيث لا تعود قائمة على إدارة التوتر أو احتوائه، بل على فرض شروط أمنية أكثر صرامة واستدامة في أي تفاهمات مستقبلية.

في هذا السياق، يشير بن كرم إلى أن النقاش لم يعد محصوراً في البرنامج النووي الإيراني، بل امتد ليشمل البرنامج الصاروخي والطائرات المسيّرة، بما يعكس انتقالاً من معالجة جزئية للأزمة إلى مقاربة شاملة تستهدف بنية القوة الإيرانية.

وهذا التحول، وفق القراءة ذاتها، يعني أن أي اتفاق مستقبلي لن يكون شبيهاً بالتفاهمات السابقة، بل سيخضع لشروط أكثر تعقيداً، تضع الأمن الخليجي في مركز المعادلة.

أحد أبرز ملامح هذا التحول يتمثل في بروز مفهوم “الأمن الخليجي” كمنظومة قائمة بذاتها، وهو ما اعتبره بن كرم فكرة محورية في طرح قرقاش.

فهذا المفهوم، كما يوضح، لا يعني الانفصال عن الإطار العربي، لكنه يشير إلى تمايز في الأولويات والتهديدات، بما يفرض مقاربة خاصة قد لا تتطابق دائماً مع السياق العربي الأشمل.

ويدعم بن كرم هذا الطرح بالإشارة إلى حجم الهجمات التي استهدفت دول الخليج مقارنة بإسرائيل، معتبراً أن هذا التفاوت يعكس تركيزاً استراتيجياً على الخليج، وليس مجرد تداعيات جانبية للصراع.

ويرى بن كرم أن هذه المعطيات تقود إلى استنتاج واضح: مرحلة “حسن النية” في التعامل مع إيران قد وصلت إلى نهايتها، لتحل محلها مقاربة أكثر صلابة، تقوم على الحذر والاشتراطات المسبقة.

ويضيف أن هذا التحول لا يبدو تكتيكياً أو مؤقتاً، بل مرشح للاستمرار على المدى القريب والمتوسط، مع احتمال أن يعيد تشكيل قواعد الاشتباك السياسي والأمني في المنطقة.

في جانب آخر، يتوقف التحليل عند استخدام قرقاش لتعبير “بلطجة المضائق”، مع الإشارة إلى صيغة الجمع، ما يفتح الباب أمام قراءة أوسع تتجاوز مضيق هرمز.

فالمسألة، وفق هذا الطرح، لا تتعلق فقط بتدفق النفط، بل تشمل كامل البنية اللوجستية والتجارية التي تعتمد عليها اقتصادات الخليج، بما يجعل أمن الملاحة جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي.

في المحصلة، يرى بن كرم أن ما طرحه قرقاش يمثل بداية تبلور سياسة جديدة، تقوم على مسارين متوازيين:
أولاً، مسار الأمن الخليجي بمتطلباته الخاصة؛ وثانياً مسار الأمن العربي بإطاره الأوسع.

هذا التوازي، كما يشير، لا يعكس تناقضاً، بل إعادة ترتيب للأولويات، في لحظة إقليمية فارقة تتجه فيها دول الخليج نحو تعريف أكثر استقلالية لمصالحها الأمنية.

وبينما لم تتضح بعد كل تفاصيل هذه السياسة، فإن الاتجاه العام يبدو محسومًا: انتقال من مرحلة إدارة التهديد إلى مرحلة إعادة هندسة البيئة الأمنية، بشروط خليجية أكثر وضوحاً وصرامة.