معركة الممرات..

إعادة تشكيل المشهد الإقليمي: هرمز بين الضغط الإيراني والتحالفات الدولية

يكشف تصاعد التوتر في مضيق هرمز عن تحولات استراتيجية تتجاوز كونه ورقة ضغط إيرانية، مع سعي دولي لإعادة ضبط السيطرة على الممر الحيوي. وبينما تجد طهران نفسها في موقع دفاعي متزايد، تفضّل الصين الحياد، ما يعكس إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية.

واشنطن

لم يكن مضيق هرمز يوماً مجرد ممر مائي تعبره ناقلات النفط، بل ظل لعقود أداة ضغط استراتيجية في يد إيران، تستخدمها في لحظات التوتر لتعظيم نفوذها الإقليمي. لكن المشهد الحالي، كما يقرأه مدير المعهد الجيوسياسي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا نوفل ضو، يشير إلى تحوّل عميق في قواعد اللعبة، حيث لم تعد طهران تمسك بهذه الورقة كما في السابق، بل باتت مهددة بالوقوع داخلها.

في هذا السياق، يرى ضو أن ما يجري لا يمكن اختزاله في الضربات العسكرية أو التهديدات المتبادلة، بل هو جزء من إعادة هندسة أوسع للنظام الإقليمي، تقودها الولايات المتحدة، بهدف إعادة تثبيت موقعها القيادي عالمياً، عبر فرض ترتيبات جديدة في الشرق الأوسط.

ويبرز مضيق هرمز كقلب هذه المعادلة، ليس فقط كممر للطاقة، بل كنقطة ارتكاز لإعادة تنظيم الاقتصاد الإقليمي. فالمعركة، وفق هذا الطرح، لم تعد فقط حول إغلاق المضيق أو فتحه، بل حول من يمتلك القدرة على التحكم به سياسياً واستراتيجياً.

اللافت في قراءة ضو هو قلبه للسردية التقليدية؛ فبدلاً من اعتبار تهديد إغلاق المضيق ورقة قوة إيرانية، يرى أن هذه الخطوة تحولت إلى عبء استراتيجي، بعدما استُخدمت لتبرير حشد دولي واسع تقوده واشنطن لتأمين الملاحة.

وبحسب هذا التصور، فإن التهديد الإيراني أسهم في تشكيل تحالف دولي يضم أكثر من 20 دولة، بينها قوى كبرى، باتت مستعدة لتأمين الممر الحيوي، ما نقل إيران من موقع اللاعب الضاغط إلى موقع الطرف المحاصر.

هذا التحول يتقاطع مع تصعيد متبادل في التهديدات، حيث لوّحت إيران باستهداف منشآت الطاقة وتحلية المياه، وهو ما دفع واشنطن إلى رفع سقف الرد، مع تحذيرات من أن تنفيذ مثل هذه التهديدات قد يُصنّف ضمن استخدام أسلحة ذات تأثير استراتيجي واسع.

وفي هذا الإطار، يحذر ضو من انزلاق المواجهة نحو ردود “كاسرة للتوازن”، قد تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، حتى وإن ظل استخدام السلاح النووي مستبعداً.

وفي توصيفه لطبيعة النظام الإيراني، يذهب التحليل إلى أن طهران لم تعد تُدار كدولة تقليدية، بل كشبكة متعددة الأذرع ذات امتدادات إقليمية، تعتمد على أدوات غير تقليدية في إدارة الصراع، ما يجعل المواجهة معها أكثر تعقيداً.

ويرى أن هذا النمط من السلوك، خصوصاً في الممرات البحرية، يعزز من صورة إيران كفاعل يتجاوز قواعد الدولة التقليدية، ويدفع المجتمع الدولي نحو تشديد أدوات الردع.

لكن الرهان الإيراني، وفق التحليل، كان يقوم على دفع العالم – وخاصة الدول العربية – للضغط على واشنطن. غير أن استهداف هذه الدول نفسها قلب المعادلة، وأدى إلى توسيع دائرة العزلة، بدل كسرها.

ويؤكد أن توسيع الجبهات عبر الأذرع الإقليمية، من العراق إلى لبنان وربما اليمن، لن يغير المسار العام للصراع، بل قد يطيل أمده دون تعديل نتائجه النهائية.

وعلى المستوى الزمني، يُرجّح أن تستمر المواجهة لأسابيع إضافية، مع بلوغ التصعيد ذروته، قبل أن يبدأ بالانحسار تدريجياً، في ظل ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة.

وفي خلفية هذا المشهد، تبرز الصين كلاعب حذر يفضل البقاء خارج المعادلة العسكرية. فبكين، رغم اعتمادها الكبير على نفط الخليج، تواصل تبني نهج قائم على الدبلوماسية وتجنب الانخراط المباشر.

وأكدت الخارجية الصينية ضرورة وقف العمليات العسكرية، فيما تشير تقديرات مراكز بحثية إلى أن بكين تمتلك احتياطيات طاقة كافية لتجاوز أزمة قصيرة الأمد، ما يقلل من حافزها للتدخل.

ويرى محللون أن الصين توازن بين حماية مصالحها الاقتصادية وتجنب التورط في صراع قد يضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، خاصة في منطقة معقدة مثل الشرق الأوسط.

كما أن اعتمادها على أدوات بديلة، مثل تنويع مصادر الطاقة والتفاوض الثنائي مع إيران، يمنحها هامش مناورة دون الحاجة إلى تدخل عسكري.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ساحة تهديدات، بل تحول إلى نقطة اختبار لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع حسابات القوى الإقليمية.

وبينما تسعى واشنطن إلى فرض معادلة جديدة للأمن والطاقة، تجد إيران نفسها أمام تحدٍ مركب: الحفاظ على قدرتها على المناورة دون الانزلاق إلى عزلة أعمق.

وفي النهاية، لا يتعلق الصراع فقط بمن يسيطر على المضيق، بل بمن يملك القدرة على إعادة تعريف قواعد اللعبة في المنطقة، وهو سؤال مفتوح على احتمالات متعددة، تتراوح بين إعادة التوازن أو الانزلاق إلى مرحلة أكثر تعقيداً.