الصواريخ في السماء… والتضليل في الرياض..

كيف حاول الإعلام السعودي إعادة توجيه مسار القصف الإيراني سياسيًا

في لحظات الحرب، تُقاس الدول بصلابة جبهتها الداخلية ومصداقية خطابها. وحين تتلاعب بعض المنصات الرسمية بالجغرافيا، فإنها لا تحرّف الخبر فحسب، بل تعبث بوعي الجمهور في لحظة إقليمية حرجة.

قناة الاخبارية السعودية بثت معلومات مضللة - مجتزئة

الرياض

بينما أكدت البيانات الرسمية الإماراتية أن الدفاعات الجوية اعترضت صواريخ إيرانية استهدفت أبوظبي وسقطت شظايا تسببت بوفاة شخص، خرجت منصات إعلامية سعودية حكومية بروايات نسبت القصف إلى مواقع مختلفة، في مشهد وصفه متابعون بأنه تضليل فجّ لا يمكن تبريره بالخطأ المهني.

المسألة هنا ليست التباسًا عابرًا في تغطية خبر عاجل، بل انحراف في توصيف حدث عسكري بالغ الحساسية. فحين تُنقل الجغرافيا من عاصمة إلى أخرى، يتغير السياق السياسي بالكامل. من استُهدف؟ ومن يتحمل رسالة الرد الإيراني؟ ومن يقف في واجهة المواجهة؟ هذه ليست تفاصيل تقنية، بل جوهر الخبر.

المفارقة أن الرياض سارعت رسميًا إلى إدانة الهجوم الإيراني على دول الخليج، مؤكدة تضامنها الكامل. لكن التضامن لا يُبنى على إعادة تشكيل الوقائع في نشرات الأخبار. التضامن الحقيقي يبدأ باحترام الحقيقة كما هي، لا كما تُراد سياسيًا.

إذا كانت المنطقة تواجه أخطر تصعيد منذ سنوات، فإن أقل ما يُنتظر من إعلام دولة مركزية في الخليج هو الانضباط المهني لا المناورة السردية. إعادة توجيه الحدث أو خلط مسارات الصواريخ لا يخدم الأمن الجماعي، بل يفتح باب الشك في دوافع التغطية نفسها.

في زمن الصواريخ الباليستية، تصبح المعلومة الدقيقة خط دفاع أول. وأي تلاعب بها ــ سواء بدافع الحسابات السياسية أو إدارة الصورة ــ يضعف الثقة ويقوّض الخطاب الرسمي نفسه. لأن الجمهور اليوم لا يتلقى المعلومة من مصدر واحد، وأي تناقض ينكشف خلال دقائق.

المنطقة لا تحتاج إلى معارك جانبية في غرف الأخبار، بل إلى وضوح وتماسك في لحظة اشتباك حقيقي. وإذا كانت الحرب تُخاض بالصواريخ، فإن الثقة تُحفظ بالشفافية. أما محاولة إعادة توظيف القصف بما يخدم سياسات ضيقة، فهي مخاطرة لا تقل خطورة عن التصعيد العسكري نفسه.
التصعيد الإيراني الذي طال عدداً من العواصم الخليجية لم يكن حدثًا عسكريًا فحسب، بل تحوّل سريعًا إلى اختبار لمصداقية الخطاب الإعلامي في المنطقة. وبينما أكدت البيانات الرسمية في الإمارات أن الدفاعات الجوية اعترضت صواريخ استهدفت أبوظبي وسقطت شظايا تسببت بوفاة شخص، ظهرت في المقابل تغطيات إعلامية سعودية نسبت بعض الوقائع إلى مواقع مختلفة، في قراءة أثارت جدلاً واسعًا.

المسألة هنا ليست خطأ تقنيًا عابرًا في توصيف مسار صاروخ، بل تتعلق بالسياق السياسي الذي تُوضع فيه المعلومة. فحين تُعاد صياغة موقع الاستهداف، فإن الرسالة السياسية تتبدّل تلقائيًا: من دولة تعرضت لهجوم مباشر إلى أخرى تُوضع في واجهة المشهد. في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يصبح هذا النوع من الخلط ــ إن لم يكن مقصودًا ــ تصرفًا غير مسؤول، وإن كان مقصودًا فهو توظيف سياسي مكشوف.

اللافت أن السعودية سارعت رسميًا إلى إدانة القصف الإيراني على دول الخليج، مؤكدة تضامنها الكامل. غير أن التباين بين الخطاب الرسمي وبعض التغطيات الإعلامية يطرح تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام خلل مهني في إدارة الخبر، أم محاولة لإعادة توجيه السردية بما يتوافق مع أولويات سياسية داخلية أو إقليمية؟

في أزمات بهذا الحجم، تكون الدقة الجغرافية جزءًا من الأمن القومي. لأن تحديد أين سقط الصاروخ لا يحدد فقط موقع الانفجار، بل يحدد مسار الرسالة، وحجم التهديد، وهوية الدولة المستهدفة مباشرة. أي انحراف في هذا السياق يُفقد الجمهور الثقة، ويضعف الجبهة الإعلامية في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى خطاب متزن لا إلى ارتباك سردي.

المفارقة أن الحرب الدائرة الآن تُخاض في ثلاثة مستويات متوازية: عسكريًا في السماء، دبلوماسيًا في البيانات، وإعلاميًا في الشاشات. وإذا كان اعتراض الصواريخ يتم بأنظمة دفاع متقدمة، فإن اعتراض المعلومات المغلوطة يتطلب منظومة مهنية صارمة لا تخضع للحسابات السياسية الضيقة.

اللحظة الإقليمية الحالية أكبر من تصفية حسابات أو إعادة توجيه الضوء. الخليج بأكمله تحت ضغط أمني غير مسبوق، وأي توظيف إعلامي غير دقيق قد يخلق توترًا بين حلفاء يفترض أنهم في خندق واحد. في زمن الصواريخ الباليستية، لا تحتمل المنطقة رفاهية العبث بالمعلومة.

القضية ليست سجالًا إعلاميًا، بل مسألة مصداقية. وحين تتصدع المصداقية في لحظة حرب، فإن الضرر لا يبقى في حدود الشاشة، بل يمتد إلى ثقة الجمهور واستقرار الإقليم بأسره.