ملحمة الغضب… واتساع الجبهات..
تسمية العمليات الأميركية وتصاعد الإدانات يكرّسان دخول المنطقة مرحلة حرب مفتوحة
حين تمنح واشنطن عمليتها اسمًا عسكريًا رسميًا، وتتوسّع الإدانات الأوروبية والعربية، وتتوقف شركات الطيران العالمية عن التحليق، فإن المواجهة لم تعد حدثًا عابرًا بل أزمة دولية مكتملة الأركان.
قصف اسرائيلي أمريكي يسهدف إيران - وكالات
إعلان البنتاجون تسمية العمليات الأميركية ضد إيران بـ«ملحمة الغضب» ليس تفصيلًا شكليًا. في العرف العسكري الأميركي، إطلاق اسم رسمي على حملة يعني أنها عملية منظمة ذات أهداف محددة وسقف زمني غير قصير. الاسم ذاته يحمل دلالة ردعية ورسالة سياسية: الولايات المتحدة لا تنفذ ضربة محدودة بل تقود حملة مستمرة ضمن تصور استراتيجي أشمل.
في المقابل، يتضح أن الضربات الأولى ركزت على استهداف مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، وفق مصادر متعددة. هذا يعزز الفرضية بأن الهدف لم يكن فقط إضعاف القدرات الصاروخية أو النووية، بل محاولة إحداث خلل في مركز القرار. غير أن مسؤولًا عسكريًا إسرائيليًا أقر بأن تل أبيب ما زالت تقيّم مدى نجاح الضربات الأولية، ما يشير إلى أن النتائج لم تتضح بالكامل.
المشهد الدبلوماسي يعكس اتساع القلق الدولي. الخارجية الألمانية أعلنت اجتماع فريق إدارة الأزمات ومتابعة التطورات على مدار الساعة، بينما عبّر وزير الخارجية النرويجي عن قلقه من حرب شاملة، وذهب إلى حد القول إن الضربة الإسرائيلية لا تنسجم مع شروط “الهجوم الاستباقي” في القانون الدولي. هذا الطرح يعكس بداية نقاش قانوني وسياسي حول شرعية الضربات، وهو نقاش قد يتسع في حال طال أمد العمليات.
في العالم العربي، اتخذت السعودية موقفًا واضحًا بإدانة ما وصفته بـ«الاعتداء الإيراني الغاشم» على الإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن، مؤكدة تضامنها الكامل مع هذه الدول. هذا البيان يضع الرياض في موقع داعم إقليميًا لجبهة الرفض ضد استهداف السيادة الخليجية، لكنه في الوقت ذاته يحاول إبقاء الخطاب ضمن إطار القانون الدولي والتحذير من العواقب الوخيمة.
الرسائل الإيرانية تحاول رسم خط تمايز، إذ قال وزير الخارجية الإيراني إن الرد لا يستهدف الدول بحد ذاتها بل المواقع العسكرية الأميركية. هذا التفريق يهدف إلى احتواء التصعيد السياسي مع العواصم الخليجية، لكنه عمليًا لا يغيّر حقيقة أن الصواريخ عبرت أجواء دول ذات سيادة وأثارت حالة إنذار واسعة.
التداعيات الاقتصادية بدأت بالظهور سريعًا. شركات طيران كبرى مثل كيه.إل.إم وإير فرانس أعلنت تعليق أو إلغاء رحلاتها إلى تل أبيب وبيروت، وتقديم موعد التعليق بسبب المخاطر الأمنية. عندما تبدأ شركات الطيران الأوروبية الكبرى بإعادة جدولة عملياتها، فهذا يعني أن المخاطر لم تعد تقديرية بل فعلية. الطيران المدني غالبًا ما يكون أول مؤشر على أن الأزمة تجاوزت مستوى “التوتر المؤقت”.
في الداخل الإسرائيلي، بدأت قيادة الجبهة الداخلية تخفف القيود جزئيًا، مع السماح بالخروج من الملاجئ مع البقاء بالقرب منها. هذا يعكس توازنًا حساسًا بين طمأنة الجمهور والحفاظ على جاهزية عالية. إصابة رجل جراء صاروخ إيراني توضح أن الجبهة الداخلية ما زالت معرضة للخطر، حتى لو لم تقع خسائر واسعة حتى الآن.
البحرين من جهتها أكدت أن الوضع تحت السيطرة، داعية المواطنين إلى التعاون وعدم الانسياق وراء الشائعات. هذا الخطاب الأمني الهادئ يتكرر في عدة عواصم خليجية، في محاولة لاحتواء القلق الشعبي ومنع أي اضطراب داخلي.
في المجمل، تتشكل الآن ثلاث دوائر ضغط متزامنة: عسكرية، دبلوماسية، واقتصادية. الدائرة العسكرية تتسع مع استمرار الضربات وتقييم نتائجها. الدائرة الدبلوماسية تتصاعد مع بدء نقاشات شرعية العمليات في أوروبا. والدائرة الاقتصادية تظهر في حركة الطيران والتأمين البحري وربما قريبًا في أسواق الطاقة.
الاسم الأميركي «ملحمة الغضب» يوحي بحملة ممتدة. لكن كل حملة تحتاج إلى مخرج سياسي. حتى الآن، الخطاب من الطرفين يميل إلى التصعيد لا إلى التهدئة. إذا لم تُفتح قناة اتصال خلفية لاحتواء الضربات المتبادلة، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة استنزاف طويل، حيث يصبح ضبط الإيقاع أصعب من إطلاق الصواريخ نفسها.
المعادلة الآن لا تتعلق فقط بإضعاف نظام أو ردع خصم، بل بإدارة أزمة إقليمية قد تتحول إلى اختبار حقيقي للنظام الدولي، خاصة إذا تزايدت الضغوط القانونية والسياسية في أوروبا وداخل الولايات المتحدة نفسها. المنطقة تقف على حافة توازن دقيق، وكل خطوة جديدة قد تدفعها إما نحو احتواء محسوب، أو نحو تصعيد يصعب التحكم في مساره.


