سعيد عابد يكتب لـ(اليوم الثامن):
تضييق التجارة يفاقم أزمة المعيشة.. إيران تحت الضغط الاقتصادي.. منافذ تتقلص وأسر تدفع الكلفة
تتسع الضغوط على الاقتصاد الإيراني مع تعثر صادرات النفط وازدحام المعابر وتشديد القيود المالية. وبين رهان واشنطن على دفع طهران إلى التفاوض ومحاولات السلطات احتواء التراجع، تتآكل قيمة الريال وتتزايد كلفة المعيشة، فيما يظل الأثر السياسي للحملة أقل وضوحًا من نتائجها الاقتصادية.
لم تعد أزمة الاقتصاد الإيراني تتوقف عند صعوبة بيع النفط. فالضغط يتسع ليشمل الطرق التي تنقل عبرها البضائع، والمصارف التي تمر بها المدفوعات، والبدائل التي تلجأ إليها طهران لتأمين العملات الأجنبية. وحين تتعطل هذه المسارات معًا، تظهر آثارها في قدرة الشركات على الاستيراد والإنتاج، وفي قدرة الأسر على شراء الغذاء والدواء وتسديد الإيجارات.
هذه هي الزاوية الأهم في تقرير لوزارة الخزانة الأميركية حصل عليه موقع «أكسيوس»: تضييق متزامن على الإيرادات والتجارة والتمويل، تراهن واشنطن على تحويله إلى ضغط سياسي. لكن تراجع الموارد لا يقدم، بمفرده، إجابة عن قدرة هذه السياسة على انتزاع تنازلات من القيادة الإيرانية، أو عن المدة التي يمكن أن يستمر فيها تحميل المجتمع كلفة المواجهة.
أطلقت الخزانة حملتها، المعروفة باسم «Operation Economic Outcast»، في 24 أغسطس/آب 2026. وتُظهر الإجراءات المعلنة أنها تستهدف شبكات الشحن والطيران والتمويل والأصول الرقمية، إلى جانب تجارة النفط. والغاية الأميركية هي تقليص قدرة طهران على تعويض المسار الذي يُغلق أمامها بمسار آخر.
النفط والحدود.. صعوبة تعويض البحر
بحسب البيانات المنسوبة إلى شركة «كبلر» لتتبع تجارة الطاقة، لم تُحمَّل شحنات جديدة من الخام والمكثفات في الموانئ الإيرانية منذ 25 أغسطس/آب، بينما استُنزف لاحقًا مخزون الشحنات الموجود في البحر خارج منطقة الحصار.
وتكمن أهمية ذلك في الفاصل الزمني بين توقف الشحن وتراجع الإيرادات. فقد تستمر مدفوعات صفقات سابقة في الوصول لبعض الوقت، ما يؤخر ظهور الأثر الكامل لتعطل الصادرات. لذلك، فإن استمرار بعض التدفقات المالية لا يعني بالضرورة استئناف النشاط التصديري، كما أن توقف تحميل الخام لا يعني انقطاع جميع صادرات المشتقات النفطية. فقد رصدت «رويترز» استمرار شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات.
أما نقل التجارة إلى البر فيصطدم بقيود مختلفة. ووفق تقرير الخزانة الذي عرضه «أكسيوس»، تواجه طرق التجارة عبر تركيا وباكستان وأفغانستان وتركمانستان اختناقات، مع انتظار آلاف الشاحنات عند الحدود التركية، يصل في بعض الحالات إلى عشرين يومًا، ومئات أخرى عند الحدود الباكستانية.
ولا يُقاس أثر هذا الانتظار بعدد الشاحنات وحده؛ فالتأخير يزيد نفقات النقل والتخزين، ويجمّد أموال التجار، ويؤخر وصول مدخلات الإنتاج. وبالنسبة إلى السلع القابلة للتلف أو المصانع التي تعتمد على توريد منتظم، قد تصبح كلفة التأخير جزءًا أساسيًا من الخسارة.
كذلك، لا يتيح النقل البري تعويض تجارة النفط البحرية بالحجم والسرعة نفسيهما. فالناقلات تنقل كميات ضخمة، بينما يتطلب توزيعها على الشاحنات والقطارات طاقة تشغيلية ومعابر وتجهيزات لا تتوافر بمجرد اتخاذ قرار بتحويل المسار.
التمويل يضاعف أثر القيود
تزداد الصعوبة حين تتزامن عراقيل النقل مع قيود على المدفوعات. فالمستورد يحتاج إلى وسيلة لإيصال البضاعة، وإلى قناة لتحويل ثمنها؛ والمصدّر يحتاج إلى مشترٍ، وإلى قدرة على تحصيل الإيرادات واستخدامها.
ويشير التقرير الأميركي إلى تشديد القيود على المصارف الإيرانية في عدد من الدول، وتقييد رحلات شركات الطيران، واستهداف منصات للعملات الرقمية تقول واشنطن إنها تُستخدم لتجاوز العقوبات.
وفي قراءة اقتصادية لهذه الإجراءات، فإن تعدد الوسطاء والمسارات البديلة قد يتيح استمرار بعض المعاملات، لكنه يرفع كلفتها ويزيد عدم اليقين بشأن مواعيد إنجازها. وهكذا يمكن أن تستمر التجارة بحجم أقل وبشروط أشد كلفة، من دون أن يعني استمرارها زوال أثر الحصار.
الريال ينقل الضغط إلى الأسر
بحسب تقييم الخزانة، فقد الريال نحو ربع قيمته منذ بدء الحملة في أغسطس/آب، ووصل الدولار خلال أكتوبر/تشرين الأول إلى نحو 2.687 مليون ريال في السوق غير الرسمية.
ويؤثر انخفاض العملة في أكثر من السلع المستوردة الجاهزة. فالإنتاج المحلي نفسه قد يعتمد على مواد خام وآلات وقطع غيار مسعّرة بالعملات الأجنبية. ومع ارتفاع كلفتها، تواجه الشركات خيارات صعبة: زيادة الأسعار، أو تقليص هامش الربح والإنتاج، أو خفض النفقات والعمالة.
وتوضح بيانات سبتمبر/أيلول حجم الضغط المعيشي. فقد ارتفعت أسعار المستهلك بنحو 90 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، بينما بلغ متوسط التضخم خلال اثني عشر شهرًا 73.6 في المئة. ووصل ارتفاع أسعار الأغذية والمشروبات على أساس سنوي إلى 121.8 في المئة، وفق ما نقلته «رويترز».
والفارق بين المؤشرين ضروري لفهم سرعة التدهور: الأول يقارن الأسعار بمستواها قبل عام، والثاني يقارن متوسط الأسعار خلال اثني عشر شهرًا بمتوسط الفترة السابقة. وفي الحالتين، تعكس الأرقام تآكلًا حادًا في القوة الشرائية، تؤكده شهادات أسر تقلص إنفاقها وتستهلك مدخراتها أو تستدين لتغطية احتياجاتها.
ضغط اقتصادي بنتيجة سياسية مفتوحة
ترى الإدارة الأميركية أن منح الحملة مزيدًا من الوقت قد يدفع طهران إلى التفاوض وتقديم تنازلات. في المقابل، يرفض محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي توصيف الاقتصاد بأنه يتجه إلى الانهيار، ويؤكد العمل على احتواء التضخم وتثبيت التوقعات وتأمين الخدمات المالية.
لكن تصريحات الطرفين تعكس أيضًا موقعيهما في المواجهة: واشنطن تريد إثبات فاعلية الضغط، وطهران تريد الحفاظ على الثقة بقدرتها على إدارة الأزمة. وبين الروايتين، تبقى مؤشرات التجارة والأسعار والدخل أكثر فائدة في قياس ما يحدث فعليًا.
ولا تكفي هذه المؤشرات للجزم بمسار القرار السياسي. فقد تدفع ندرة الموارد إلى تسوية، وقد تقابلها السلطة بمزيد من التكيف أو التشدد وتحميل الداخل أعباء إضافية.
ما يتضح حتى الآن هو أن تقلص منافذ التجارة والتمويل يرفع كلفة استمرار المواجهة. أما توزيع هذه الكلفة فغير متكافئ: تستطيع الدولة ترتيب أولويات إنفاقها، بينما تضطر الأسرة إلى الاختيار بين احتياجات يومية لا تحتمل التأجيل. وهنا يقع الاختبار الأصعب للحملة الأميركية: قدرتها على تغيير حسابات السلطة، في وقت تتسارع فيه خسائر المجتمع.


